في ظلال المسرح

أرسطو.. كيف غيّر «فن الشعر» المسرح؟

أرسطو.. كيف غيّر «فن الشعر» المسرح؟

رياض الشهري 

لم يكن كتاب «فن الشعر» للفيلسوف اليوناني أرسطو مجرد دراسة في الشعر والأدب، بل أصبح واحدًا من أهم الكتب التي أثرت في طريقة فهم المسرح وقراءته ونقده عبر القرون. فمن خلال صفحات قليلة، وضع أرسطو مجموعة من الأفكار التي أصبحت لاحقًا أساسًا للكثير من الدراسات المسرحية، ولا سيما فيما يتعلق ببناء الحكاية والشخصيات والصراع واللغة والنهاية.
جاء أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، في مرحلة كان المسرح اليوناني قد قطع فيها شوطًا كبيرًا، وخصوصًا التراجيديا التي بلغت ذروة مهمة مع كتّاب مثل إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس. ولذلك لم يكن أرسطو يؤسس المسرح من الصفر، وإنما كان يحاول فهم ما يجعل العمل المسرحي مؤثرًا ومتماسكًا، وتحليل القواعد التي رأى أنها تجعل التراجيديا ناجحة.
الحكاية قبل كل شيء
من أبرز أفكار أرسطو أن الحبكة أو الفعل تأتي في مقدمة عناصر التراجيديا. فالمسرحية، في نظره، ليست مجرد شخصيات تتحدث، وإنما أحداث مترابطة تقود إلى نتيجة.
وهنا ترك «فن الشعر» أثرًا كبيرًا في الكتابة المسرحية؛ إذ أصبح بناء الأحداث عنصرًا أساسيًا في دراسة النص المسرحي. فالمشهد لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن المشهد الذي يليه، والشخصية لا تتحرك بلا سبب، وإنما تتطور الأحداث نتيجة لما يحدث قبلها.
ومن هذه الرؤية ظهرت أهمية مفاهيم مثل البداية والوسط والنهاية، وترابط الأحداث، والسببية، وتصاعد الصراع، وصولًا إلى لحظة التحول والنهاية.
من الشخصية إلى الصراع
لم يهمل أرسطو الشخصية، لكنه لم ينظر إليها بمعزل عن الفعل. فالشخصية المسرحية تظهر من خلال قراراتها وأفعالها ومواقفها داخل الحدث.
وهذا المفهوم جعل المسرحيين والنقاد ينظرون إلى الشخصية بوصفها جزءًا من البناء الدرامي، وليس مجرد اسم أو حضور على الخشبة.
فالشخصية القوية ليست بالضرورة الشخصية كثيرة الكلام، وإنما الشخصية التي تؤثر في الأحداث وتتأثر بها، وتدخل في صراع يؤدي إلى تغيير مسار الحكاية.
التراجيديا وإثارة المشاعر
من أكثر أفكار أرسطو شهرة مفهوم (التطهير ) المرتبط بإثارة مشاعر الخوف والشفقة لدى المتلقي من خلال التراجيديا.
وهنا تجاوز أرسطو النظر إلى المسرح باعتباره وسيلة للترفيه فقط؛ فالعرض المسرحي يمكن أن يترك أثرًا نفسيًا وفكريًا في الجمهور.
ومنذ ذلك الوقت أصبح سؤال مهم حاضرًا في النقد المسرحي:
ماذا يفعل المسرح بالمتلقي؟
هل يجعله يبكي؟
هل يدفعه إلى التفكير؟
هل يجعله يتعاطف مع الشخصية؟
هل يغيّر نظرته إلى قضية معينة؟
وهذه الأسئلة لا تزال حاضرة في المسرح الحديث والمعاصر، حتى لدى المدارس المسرحية التي اختلفت مع أرسطو في كثير من أفكاره.
وحدة الفعل
ارتبط اسم أرسطو أيضًا بفكرة وحدة الفعل، أي أن تكون أحداث المسرحية مترابطة حول فعل رئيسي، بحيث يؤدي حذف حدث أساسي منها إلى اختلال البناء.
وقد توسع النقاد في العصور اللاحقة في الحديث عن «الوحدات الثلاث»: وحدة الفعل والزمان والمكان، لكن من المهم التمييز بين ما قاله أرسطو فعلًا وما طوره النقاد من بعده؛ فأرسطو أعطى أهمية واضحة لوحدة الفعل، بينما جرى لاحقًا توسيع مفهوم الوحدات، خصوصًا في النقد الكلاسيكي الأوروبي.
وهذا التمييز مهم لأن تأثير «فن الشعر» لم يكن دائمًا نتيجة نص أرسطو وحده، بل نتيجة كيفية تفسير الأجيال اللاحقة لأفكاره.
الكتابة المسرحية بين القاعدة والحرية
مع مرور الزمن، تحول «فن الشعر» في بعض المراحل إلى مرجع حاول بعض النقاد من خلاله تحديد ما ينبغي أن تكون عليه المسرحية الجيدة.
لكن المسرح لم يتوقف عند أرسطو.
فقد ظهرت مدارس واتجاهات مسرحية لاحقة تجاوزت كثيرًا من التصورات الأرسطية، وظهرت مسارح لا تقوم على البناء التقليدي للحبكة، ولا تجعل التطهير هدفها الأساسي، كما ظهر المسرح العبثي والمسرح الملحمي وغيرها من الاتجاهات التي أعادت التفكير في علاقة المسرح بالجمهور والحكاية والشخصية.
ومع ذلك ظل أرسطو حاضرًا، حتى عندما يكون حضوره من خلال الاختلاف معه.
لماذا بقي «فن الشعر» حيًا؟
ربما تكمن قوة الكتاب في أنه لم يقدم وصفة جاهزة لكتابة المسرحية بقدر ما طرح أسئلة أساسية حول طبيعة الدراما.
ما الحكاية؟
كيف تتطور الأحداث؟
ما الذي يجعل الصراع مؤثرًا؟
كيف تتشكل الشخصية داخل الفعل؟
كيف يتفاعل الجمهور مع المأساة؟
وما الذي يجعل نهاية العمل نتيجة منطقية لما سبقها؟
ولهذا يستطيع الكاتب المسرحي المعاصر أن يقرأ أرسطو حتى لو لم يلتزم بتصوراته كاملة.
أرسطو والمسرح السعودي
ومن المفيد أن يصل أثر «فن الشعر» إلى دراسة المسرح السعودي أيضًا، لا باعتباره نموذجًا يجب تقليده، وإنما باعتباره جزءًا من التراث النقدي العالمي الذي يمكن من خلاله قراءة النصوص والعروض.
فعندما نبحث في بناء الحبكة، وتصاعد الصراع، وتحولات الشخصية، وترابط الأحداث، وتأثير النهاية في المتلقي، فإننا نلامس أسئلة بدأت جذورها في التفكير الدرامي القديم.
لكن المسرح السعودي، مثل غيره من المسارح، لا يعيش داخل نظرية واحدة؛ فهو يستفيد من التراث المسرحي العالمي، وفي الوقت نفسه يبحث عن خصوصيته في الموضوع واللغة والبيئة والشخصيات والقضايا الاجتماعية والثقافية.
من أرسطو إلى المسرح الحديث
لم يكن تأثير أرسطو أن المسرح ظل كما كان في اليونان القديمة، بل إن أهم تأثيراته ربما تتمثل في أنه جعل المسرح موضوعًا قابلًا للدراسة والتحليل.
فالمسرحية لم تعد مجرد عرض ينتهي بانتهاء التصفيق، بل أصبحت نصًا يمكن تفكيكه، ودراسة بنائه، وتحليل شخصياته، وقراءة علاقته بالمتلقي.
وبينما تجاوز المسرح الحديث كثيرًا من القواعد التي ارتبطت بالتفسير التقليدي لأرسطو، بقيت أسئلته الأساسية حاضرة في قاعات النقد وورش الكتابة وعلى خشبات المسارح.
وهكذا يمكن القول إن أرسطو لم يضع نهاية لتطور المسرح، وإنما وضع بداية طويلة للحوار حول ماهية المسرح وكيف يعمل ولماذا يؤثر في الإنسان.
وربما لهذا السبب لا يزال «فن الشعر» يُقرأ بعد أكثر من ألفي عام؛ ليس لأن المسرح توقف عند أرسطو، بل لأن المسرح منذ ذلك الحين ظل يواصل الحوار معه، مرة بالاتباع، ومرة بالاختلاف، ومرة بالتمرد على أفكاره.
فأرسطو لم يكن صاحب آخر كلمة في المسرح، لكنه كان من أوائل الذين جعلوا المسرح يستحق أن تكون له نظرية.

كاتب مسرحي 

رياض الشهري

كاتب مسرحي وقصة ورواية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.