في ظلال المسرح
أرشيف السعيد.. ذاكرة المسرح السعودي

أرشيف السعيد.. ذاكرة المسرح السعودي
رياض الشهري
بين صورة باهتة التقطت قبل أربعين عامًا، وملصق عرض مسرحي لم يبقَ منه سوى نسخة واحدة، وشريط فيديو كاد الزمن أن يمحو ملامحه، تختبئ حكايات المسرح السعودي. هذه الحكايات لم تصل إلينا بالمصادفة، بل لأن هناك من آمن بأن حفظ الذاكرة لا يقل أهمية عن صناعة العرض نفسه.
من بين هؤلاء يبرز اسم الباحث المسرحي علي عبدالعزيز السعيد، الذي كرّس سنوات طويلة لجمع كل ما يتعلق بالمسرح السعودي، في مشروع شخصي أصبح اليوم واحدًا من أهم المبادرات التوثيقية في تاريخ الحركة المسرحية بالمملكة.
لم يكن هدف السعيد جمع المقتنيات بدافع الهواية، بل كان يسعى إلى حماية تاريخ كامل من الضياع. فقد أدرك مبكرًا أن المسرح فن سريع الزوال؛ ينتهي العرض بإغلاق الستارة، لكن الوثيقة وحدها هي التي تمنح ذلك العرض حياة جديدة في ذاكرة الوطن.
بدأت رحلته منذ أكثر من ثلاثة عقود، متنقلًا بين المسرحيين، والفرق، والصحف، والمكتبات، باحثًا عن كل ما يمكن أن يوثق المشهد المسرحي السعودي. كانت المهمة شاقة؛ فالكثير من الوثائق كان مهددًا بالتلف، وبعضها كاد يُلقى في النفايات بعد انتهاء العروض، بينما اختفت أعمال أخرى برحيل أصحابها.
ومع مرور السنوات، نما الأرشيف ليضم كنوزًا ثقافية متنوعة؛ نصوصًا مسرحية، وصورًا نادرة، وملصقات، وبرامج عروض، ومقالات صحفية، ومجلات متخصصة، وتسجيلات مرئية وصوتية، ووثائق أصبحت اليوم مراجع لا غنى عنها لكل من يكتب عن المسرح السعودي.
لكن القيمة الحقيقية لهذا الأرشيف لا تكمن في عدد مقتنياته، بل في كونه أعاد بناء أجزاء من تاريخ المسرح السعودي كانت مهددة بالنسيان. فكثير من الباحثين وجدوا فيه وثائق لم تكن متاحة في أي مكتبة أو مؤسسة، وأصبح مصدرًا مهمًا للرسائل العلمية والدراسات الأكاديمية.
وفي زمن التحول الرقمي، لم يكتفِ السعيد بحفظ الوثائق، بل سعى إلى نشرها وإتاحتها عبر المنصات الرقمية، ليصل هذا الإرث إلى المهتمين داخل المملكة وخارجها. وهذه الخطوة أسهمت في إعادة اكتشاف عروض وشخصيات وتجارب كانت مجهولة لدى الجيل الجديد.
ورغم أهمية هذه التجربة، فإنها تطرح سؤالًا يستحق التأمل: لماذا يبقى حفظ ذاكرة المسرح معتمدًا على المبادرات الفردية؟ أليس من حق هذا التاريخ أن يجد مؤسسة وطنية تتولى جمعه، وفهرسته، ورقمنته، وإتاحته للباحثين؟
إن وجود أرشيف وطني للمسرح السعودي لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة لحماية تاريخ يمتد لعقود، شهد تطورًا كبيرًا في النص والإخراج والتمثيل والتقنيات، وأسهم في صناعة الوعي الثقافي بالمملكة.
وتجربة علي عبدالعزيز السعيد تقدم نموذجًا عمليًا يمكن البناء عليه. فقد أثبت أن الفرد المؤمن برسالته قادر على إنقاذ جزء كبير من الذاكرة الثقافية، لكن هذه الذاكرة تستحق اليوم أن تنتقل من الجهد الشخصي إلى المشروع المؤسسي، حتى تبقى محفوظة للأجيال القادمة.
لقد حفظ السعيد آلاف الوثائق، لكنه في الحقيقة حفظ شيئًا أكبر من ذلك كله… حفظ ذاكرة المسرح السعودي من أن يبتلعها النسيان.
ولعل أجمل تكريم يمكن أن يحظى به هذا الجهد، ليس في الاحتفاء بصاحبه فحسب، بل في أن يتحول إلى نواة لمشروع وطني شامل، يجمع ذاكرة المسرح السعودي بكل مكوناتها، ويجعلها متاحة لكل باحث، ولكل فنان، ولكل شاب يريد أن يعرف كيف بدأت الحكاية، وكيف كُتب تاريخ المسرح في المملكة، وثيقةً بعد أخرى.