قلبه أخضر

قلبه أخضر
قبل اختراع بالتة الألوان الرقمية في برنامج الرسام على الحاسوب المكتبي مرورًا بالفوتوشوب وأدواته المعقدة وصولًا للاكتشافات الطبية التي تقول إنّ عين الإنسان قادرة على رؤية عشرة ملايين لون تقريبًا، أزعم وأعتقد أنّ البشر كانوا يوحدون مسمى لون بعينه على كثير من الأشياء المتشابهة بصريًا ولا يعترفون بالدرجات اللونية التي لاحقًا استفاد منها على الأغلب باعة الدهانات..
لا تهمنا المعلومة أعلاه، كما لا تهمنا المعلومة التالية التي تتناول ذكرى لي مع والدي وأصدقائه في جيزان، حيث كانوا يطلقون على أي شخص حنطي أو أسمر اللون بأنه (أخضر أو أخضراني)..
ولو رجعنا للتاريخ وبالتحديد في وصف القدماء للون السماء والبحر وحتى عروق الإنسان ، لوجدنا اختلافًا عما نعرفه اليوم عن الألوان، فالعين ترى طيفًا هائلًا من الألوان لكن اللغة هي من تقسمه إلى أسماء، والمسميات تتطور مع الزمن لكن يبقى أثرها، ولك أن تستشهد بمسمى (ذوو الدماء الزرقاء) الذي كان يطلق على الطبقة الأرستقراطية الحاكمة والتي تحافظ على بياض جسدها بعيدًا عن الحقول والمعارك والأسواق فتبرز العروق بلون أزرق فيعتقد بقية الشعب أن هؤلاء الملوك دمهم أزرق بالفعل..
يكفي حديثًا عن الألوان هنا ونعود لوصف (أخضراني) للشخص الأسمر في مجتمع جيزان، وذلك يقودنا لمقولة أخرى يطلقونها على الشخص الذي ما زال يتمسك بشبابه ومراهقته وميله للرومانسية بأن (قلبه أخضر)..
فهل يقصدون أن قلبه ربيعي الطابع يرى بهجة الحب إلى أن تذيب قلبه حرارة الصيف فينال من عنفوان ومرارة والتهاب المشاعر ما ينال، وأن القلب الخريفي قد تساقط إيمانه بالحب والعلاقات فأصبح قلبًا جافًا أجرد ينتظر الشتاء ليتجمد ويفقد إحساسه بمعنى الحياة، ربما..
صاحب القلب الأخضر كما يصفه مجتمعي يحمل معنيين متناقضين حسب السياق والشخص الموصوف بذلك، أحدهما لطيف ويعني التجدد والحيوية والشباب والتصرفات التي تعكس عدم اقتناع صاحبها بعمره البيولوجي، بل يحيا بعمره الروحي، بينما يأتي الآخر من نظرة اجتماعية لئيمة وخبيثة لشخص ما، فيقال عن الشخص تهكمًا إن «قلبه أخضر»؛ لأنه رغم تقدمه في العمر ما زال يبحث عن الحب والعلاقات، فيصورونه بصورة الأشيمط الذي يعيش ويحيا من أجل نظرة فاتنة وكلمة ناعمة وإغراء مبطن، أو ما يسمونه حديثًا Sugar Daddy.
لعلك لاحظت أنني أستطرد كثيرًا،أو أن ذلك يندرج تحت استعراض المعلومات، صدقني، لقد أتعبني عقلي وهو يطارد الأفكار ويفتقد التركيز، ولعل هذا يعطيك شعورًا لطيفًا أنك شخص طبيعي عزيزي القارئ..
لنفصل الموضوع بعيدًا عن الألوان والاستطراد هذه المرة..
القلب الأخضر -وهذا وصف لا ينطبق على أصدقائي الأهلاويين، إلا لو اعتقد من حولك أنك أب مسكّر!- يعني أن شخصًا ما راهن بتاريخه وهيبته ومسيرته وأركعها تحت قدمي غانية تسلب ماله قبل لبّه، وهناك تغريدة قرأتها في تطبيق X تؤكد هذه النظرة المجتمعية وهي أن الرجل كبير السن الغني هو (شوجر دادي)، وكبير السن الفقير هو (شايب عايب)، وهذا طبعًا في نظر هؤلاء النوعيات من النساء ويوصلنا لنقطة مهمة، وهي ارتباط هذا المسمى بالثراء والبذخ، وهنا قصة أخرى..
ظاهرة بذخ الرجال كبار السن على النساء الأصغر سنا بعقود لهي ظاهرة عالمية بلا شك، ومثلُ ذلك زواج الجميلات من المشهورين والأغنياء مما يجعلها (الزوجة الجائزة) التي يتفاخر بها الثري مثل سياراته وقصوره وهي ترجمة مسمى Trophy Wife..
بل قد يتطرف الأمر عكسيًا، فكلما زاد غناك وعمرك، بحثت عن فتاة أصغر سنًا، والأمثلة عديدة في هذا المجال حيث يتزوج السبعيني أو الثمانيني من فتاة عشرينية أو مراهقة بحجة أنها ستعيد إليه شبابه، بينما هي ضحت بشبابها لأجل ثروة تغنيها عن السؤال، فتعدُّ الأيام في انتظار رحيله وتتسلح جيدًا لمعركة الورثة خاصة إن كان أهلها وراء تزويجها..
ويتطرف الأمر بشكل أكثر رعبًا عندما يتحول هذا الثري الى مشتهي للأطفال Pedophile وما ملفات إبستين ونخبته الشيطانية وارتباطهم بالمتاجرة وتهريب الأطفال عنا ببعيدة..
هل ما زلنا نعتقد أن صفة القلب الأخضر قد تنطبق على هؤلاء حقًا أم أن مجتمعنا لطيف أكثر من اللازم في وصف ظاهرة قد تكون مهلكة لصاحبها إن لم يكن واعيًا لما يفعل، فقد يكون خلفها احتياج عميق للحنان والحب وقد ترتبط بجروح الطفل الداخلي، لكن ليس مع شياطين الإنس الذين لا يحملون قلبًا في الأساس..
صاحب (القلب الأخضر) في مجتمعنا يحتاج لأن يكون أكثر توازنًا بين شباب قلبه وقدرات جسده وحكمة عقله وهيبة حضوره، وأن يكون أكثر انتباهًا لمحاولات التلاعب والابتزاز، ولا بأس في الكثير من المرح والحب وتعويض أعوام السعي والكفاح، لكن ليس على حساب تقديره لنفسه..
لذلك يا صديقي..
كن أخضر القلب في انتمائك للطبيعة، وأزرق النظرات على شاطئ البحر، وأحمر المشاعر مع من تحب، وأصفر التفكير والحماس في مواجهة كثبان الحياة، وأبيض الروح..
كن نقيًا محبًا وستأتيك الألوان بلا حد ولا عدد..
كاتب رأي
