لو سمحت أريد استفزازك

لو سمحت أريد استفزازك
وليد قادري
اطمئن عزيزي لا رغبة لدي لاستعدائك، من برأيك هذا الكاتب غير المهذب الذي يبني كتاباته على أمل استنطاق كل الشتائم حتى التي لا نراها في المعاجم، فقط ليرضى بداخله ميلًا مازوخيًا لمسح كرامته بالأرض، أنا لست من هؤلاء الكتّاب، ولا أعلم إن كانوا موجودون حقًّا -في غير الصحافة الرياضية و أبواق جوبلز النازية وما شابهها..
كل مافي الأمر أنه استفزتني أمور معينة وأريد أن تشاركني امتعاضك وازدرائك لهذه الممارسات، فلا أريد أن أبقى وحدي في هذا الجانب من الطريق أندب العقلانية والجدية في زمن التافهين، والحياة مع الجماعة رحمة كما يقولون، أما الموت رحلة فردية لعالم أوسع وليس تجربة جماعية كما تعلم..
أولى هذه الممارسات هي….
أتدري لن أشرحها لك، بل سأصف لك المشهد كما هو ونعود لنتناقش حول ذلك..
تفتح حسابك الشخصي في تطبيق إكس (تويتر سابقًا، وإن كنت تعلم هذه المعلومة من قبل، فاقرأ العنوان مجددًا)، يداهمك خبر ما من حساب إخباري مثل “عاجل.. اليوم الخميس هو آخر أيام الاسبوع”، أو على غرار “حصري.. يوم 27 سيستلم الموظفون الحكوميون الرواتب..”
معلومات بديهية وتافهة لكنها تقدم لك على أنها حصرية وبأسلوب سخيف يهين ذكائك، هذا الاستفزاز يغريك لأن ترمي الهاتف الذي ما تزال تدفع أقساطه -من هذا الذي يمتلك جهازًا جديدًا بسعر الكاش هذه الأيام..
ربما يكون المثال سطحيا في نظرك، ولأعد صياغته، ما حاجتي أنا كطالب أو معلم أو أستاذ جامعي في حسابات تُكرر بشكل دوري أخبارها الحصرية في أن الإجازة الصيفية بقي عليها كذا أو الدوام سيكون في يوم كذا..
لماذا هذا التنغيص والاستفزاز وتذكير هذه الفئة العريضة بالمجتمع بانتهاء إجازتهم بعد أيام من نشر الخبر، أم هي رغبة مكبوتة للانتقام من النظام التعليمي أو المعلمين والطلاب، أو منهم جميعًا مرة واحدة..
ذات الشيء في المناسبات الدينية، (عاجل.. الحجاج في يوم عرفة يتواجدون في عرفات)، (عاجل.. صلاة العيد تقام صباح العيد)، وهذا يقودني لنقطة معاكسة وهي العناوين الصحفية الصفراء التي توحي بشيء يختلف عن الحقيقة، وكل هذا من أجل المبيعات والمشاهدات حتى لو ظهرت بشكل غبي، قد نتحمل السذاجة وصعوبة الفهم لكن التصرفات الغبية تستفزنا بلا ريب..
لكن ماذا لو كان الخبث والمكر والتعفن الأخلاقي هو الذي يقود هذا الاستفزاز، كما نرى في عبارات عنصرية تقال على الملأ، أو شعارات رياضية تافهة، أو الخوض في أمور عقدية ودينية وسياسية، وتقال فيها كلمات هدفها الأوحد إخراجك من طورك وهدوئك..
هل أنا بحاجة لضرب أمثلة على ذلك، لا أعتقد، لكنني سأضرب أمثلة على ظواهر أخرى مستفزة تختبئ تحت أقنعة المثالية، شخص يدعي التحضر وهو يرمي قارورة ماء بالشارع، آخر يدعي الثقافة وهو يحاورك باستعلاء وفوقية، وصديق يخسرك لأنك (طقطقت) على فريقه المفضل، وصائم في نهار رمضان يفقد أعصابه، وجاهل يناقشك في أمور أكبر من استيعابه وعندما يفشل في فرض رأيه يتجه لتصنيفك وتأطيرك ونشر ذلك بين المجتمع ويحذرهم منك، وحاسد ينتهز أي فرصة للتقليل منك..
ثم ماذا لو كان يستفزك كل شيء؟!
وتحولك طاقة الحنق والغضب إلى نسخة حمقاء لا تشبهك، ويستهلك التفكير خلايا عقلك، ويغادرك السلام الداخلي، وكأن جلدك رحل عنك وترك بقية جسدك عرضة لأي تلامس يفني جسدك، هل كل هذه الأمور تستحق أن تفقد أغلى ما لديك: نفسك..
قالوا قديمًا:
“اعتزل ما يؤذيك”
لن أوجه لك نصائح معلبة، أنت أعلم بما يفيدك وما لا يفيدك، إلا إن أردتني أن أحاول استفزازك، لكنني سأقول لك قبلها “لو سمحت”، هذا وعد..
كاتب رأي
