عباءة التطرف

عباءة التطرف
وليد قادري
(1)
هل أنت عقلاني متطرف؟!
وقعها عجيب على الأذن، أليس كذلك؟!
لأنه يفترض بالعقلانية أن تكون وسطية ومنطقية ومنصفة، ولكن هنا لا أتحدث عن الشخص الذي يفضل استخدام عقله في تحليل الامور والذي نرمز له بالحرف T (المفكّر) في تصنيف الشخصيات الـ16 MBTI لمايرز وبريجز..
هنا أتحدث عمن يستخدم عقله (المحدود) في قياس كل شيء، فيغيب عنه التعاطف والحكمة والبصيرة لأنه يستلزم الحصول على دليل مادي وشيء تدركه الحواس ليصدق، في حين أن التوازن مطلوب كشيء فردي نحتاجه في حياتنا وكذلك في الفسيفساء الجماعية التي تمثل البشرية، لا بد من عقلانيين يبحثون عن الإيمان والحكمة في رحلة روحية يحتاجونها، وبالمقابل روحانيون متعاطفون يحكمون صوت العقل والمنطق حتى يقووا ذكاءاتهم المتعددة والجوانب القيادية ومهارات الحياة..
من أقصدهم بذوي العقل المحدود هم أنفسهم من ضلوا الطريق إلى الخالق، وهم من جابهوا الأنبياء وانضموا للطغاة فقط لأن ذلك هو المنطق وقتها، وكلي يقين -وهذا رأي متطرف مني- لو أن العقلانيون المتدينون المتشددون كانوا في زمن الرسول لاختاروا جانب كفار قريش..
ذات الشيء صار مع الكثير من الأفكار التجديدية والاختراعات والاكتشافات، هل تتخيل أن كروية الأرض ودورانها حول الشمس ومركزية الكون وانتقال الموجات الصوتية وطيران الآلات والشاشات الرقمية والذكاء الاصطناعي عارضها الكثيرون بحجة أنها مستحيلة وغير منطقية ولا تدخل العقل، بينما من فكر فيها وأيدها استخدم عقله بطريقة أخرى وهي: ماذا لو؟! وكيف نثبتها؟!
التطرف في العقلانية يقودك لأن ترفض كل شيء، وأن تقزم أي رأي لا يتناسب معك، وتهمش أي فكرة لم تستحق الولوج لعقلك الذي يحسب المعطيات والنتائج ولا يهتم بروح الإنسان، ويقودك لأن تشكك في كل فكرة تطوير للذات وكل علم يقودك للإيمان، وستكون مقتنعًا جدًا بآراء الأولين واتفاقهم واجتهاداتهم بعيدًا عن النصوص الشرعية في كل الأديان ولن ترضى أن يناقشهم أحد أو يفكر في الاعتراض..
هذه العقلانية تجعلك بذيئًا، قاسيًا، متهكمًا، متحكمًا، وتدفعك لأن تلغي الآخر، هي عقلانية فرعون “لا أريكم إلا ما أرى”، والدفاع المستميت عن الآلهة الوثنية عبر العصور “إنا وجدنا آباءنا على أمة”، والميكافيلية “الغاية تبرر الوسيلة”
هذه العقلانية تدعي اعتناق العلم والطريقة العلمية، وترفض كل ما هو خلف أسوار العلم، في كون لا نعرف عنه سوى أقل القليل حرفيًا، وعن علم قال عنه الخالق “وما أوتيتم من العلم إلا قليلا”
قد يأتيك في صورة شيخ متعصب لحكمه، وطبيب نفسي متمسك بتصنيفه وتشخيصه للآخرين، وفي معلم لا يتيح المجال لطلابه لأن يسألوا عن التفكير الناقد، بل عليهم حفظ المعلومات وسكبها على ورقة الاختبار، وتجدها كذلك في موظف يتمسك بنص القانون في حالة تحتاج لروح الإنسان أولًا..
هل كنت قاسيًا في حكمي وحديثي بالأعلى؟!
لم أفعل شيئا سوى تقمص شخصية العقلاني المتطرف، وبدلًا من أن تواجهني وتحاول إقناعي، انظر لنفسك في المرآة وابحث عن الروح اللطيفة المتعاطفة المتوازنة المختبئة بداخلك..
(2)
التطرف كائن هلامي لا وجه له
يشبه غناء الحوريات للبحارة قبل افتراسهم
ودموع التماسيح على ضحيتها
كظلال قاتمة
تلقي بثقلها على أرواح بائسة
تظن أن الظلام هو حتمي في الطريق إلى السلام..
المتطرف لا يبالي بك
تهمه فقط أجندته التي يخدمها
والمكاسب التي يجنيها من حماستك
قد يأتيك في عباءة التدين
الوسطية
العدل
تصنيف الناس
شعارات الأمة والوحدة والقومية
ورداء العنصرية النتنة بحجة الوطنية..
هو شخص مستفز، بلا قلب
يجد متعة في استماتته لإقناعك بفِكره
ولذة لا تضاهى في جدال من يجابهه
ويضحك بملء شدقيه إن رأى الغضب قد تملكك..
المتطرفون من الخارج كفتنا الدولة مكرهم
أما المتطرفون في الداخل
وفي وسائل التواصل
فلن يحميك سوى وعيك
وحبك لوطنك
وسعيك للسلام
وإيمانك بأن الله هو الحافظ..
الصراع الحالي هو ضد البشرية
الناس ككل مهما كان دينهم
واستثارة الوطنية، العصبية، الأديان جزء من لعبة كبيرة..
لا بد أن نستيقظ من وهم الأمة، القومية، الاشتراكية، الرأسمالية..
كلها أدوات والهدف واحد
السيطرة ولا شيء غيرها
التمكين من الأرض
لإرضاء غرور كائن انتزع منه التمكين رغمًا عنه..
كاتب رأي
