كُتاب الرأي

لماذا السعودية ؟

 

من هنا وهناك

لماذا السعودية ؟

عبدالله بن سالم المالكي

في ميزان الاستراتيجية ليست القوة أن تدخل كل معركة تُدفع إليها بل أن تبقى أنت من يقرر أي معركة تخوضها ؟ومتى تخوضها؟ وما النهاية التي تريدها منها؟

فحين تتسارع الصواريخ والمسيّرات باتجاه دولة ما فإن السؤال السهل هو : من أطلقها؟ لكن السؤال الأصعب والأهم في الحسابات العسكرية هو : لماذا أُطلقت الآن؟ وما الذي يراد تحقيقه بعد سقوطها؟

والإجابة لا يمكن اختزالها في خلاف سياسي ولا في جبهة عسكرية واحدة لأن السعودية لم تعد مجرد دولة تقع وسط منطقة مضطربة بل أصبحت إحدى أهم نقاط الارتكاز في معادلة الأمن والطاقة والاقتصاد والسياسة في الشرق الأوسط.

وفي علم الاستراتيجية كلما ارتفعت قيمة الدولة في معادلة التوازن ارتفعت قيمة الضغط عليها وهذا هو جواب السؤال .

وفي النظريات العسكرية هناك ما يسمى مركز الثقل وهو العنصر الذي تستمد منه الدولة قوتها وقدرتها على الصمود والتأثير.

وحين ننظر إلى المملكة العربية السعودية نجد أن مراكز ثقلها متعددة ولله الحمد والمنة فهناك القيادة الحكيمة والاقتصاد المزدهر والمجتمع الحيوي والطاقة المتجددة والموقع الجغرافي والاستقرار الداخلي والقدرة العسكرية والثقل العربي والإسلامي والعلاقات الدولية.

ولهذا فإن مهاجمة خط أنابيب أو منشأة للطاقة لا ينبغي قراءتها باعتبارها محاولة لتدمير منشأة فقط فالأنبوب قد يكون الهدف التكتيكي لكن الاقتصاد والطاقة وحرية القرار تكون الغاية الاستراتيجية.

والمتأمل للخريطة يدرك حساسية الموقف فمن الشرق مضيق هرمز ومن الغرب والجنوب الغربي للبحر الأحمر مضيق باب المندب وبينهما دولة تُعد من أهم منتجي ومصدري النفط في العالم.

ومع اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز اكتسب خط أنابيب شرق–غرب أهمية استراتيجية أكبر لأنه ينقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر ولهذا فإن استهدافه يحمل دلالة الضغط على البديل الاستراتيجي لمضيق هرمز.

فإذا كان مضيق هرمز مضطربًا و مضيق باب المندب مهددًا ثم تعرض المسار البري الذي يربط الشرق بالغرب للهجوم فإننا أمام محاولة ضغط مركبة على منظومة الطاقة ومساراتها .

وهذا لا يعني بالضرورة وجود غرفة عمليات معادية واحدة تدير كل هذه الجبهات لكن الأثر الاستراتيجي الناتج عنها يتقاطع بصورة واضحة.

لكن لماذا الهجوم بالمسيّرات دون غيرها ؟
والجواب لأنها أحد أسلحة الحرب غير المتكافئة. فالطرف الأضعف لا يحتاج إلى امتلاك قوة جوية تقليدية تضاهي خصمه فهو يستطيع استخدام طائرة مسيرة أقل كلفة لمحاولة الوصول إلى منشأة قيمتها الاقتصادية والاستراتيجية هائلة.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة
هل الغرض من الهجمات إلحاق الضرر بالسعودية فقط؟ أم محاولة دفع السعودية إلى اتخاذ قرارات لم تكن لتتخذها لولا هذا الضغط؟!!!

إذا كانت الثانية فنحن أمام مفهوم معروف في الاستراتيجية وهو استخدام القوة أو التهديد بها لتغيير حسابات السعودية التي لن ترضخ للتهديدات عبر تاريخها الطويل .

وهناك جبهة لا تظهر على الخرائط العسكرية ألا وهي الجبهة الداخلية
فالحروب الحديثة لم تعد تستهدف المنشأة وحدها وإنما تستهدف الصورة الذهنية حول الأمن والاستقرار.

ولهذا قد تبدأ العملية بطائرة مسيرة ثم تستكملها آلاف الحسابات والمقاطع والشائعات والمعلومات المضللة وهنا يصبح الهاتف المحمول امتدادًا لميدان المعركة.

فالخصم الذي لا يستطيع إحداث أثر استراتيجي كبير بالسلاح قد يحاول التأثير نفسيًا وإعلاميًا ومن هنا فإن الوعي المجتمعي وعدم الانسياق خلف الشائعات جزء من مناعة الدولة في زمن الأزمات.

الأهم من ذلك يجب أن يعلم الجميع أن ليس كل صمت ضعفاً بل هو التصرف بحكمة وضبط النفس والمملكة العربية السعودية تعرف متى يكون ضبط النفس قوة ؟ ومتى يصبح الرد ضرورة؟ وفي الفكر العسكري الردع لا يعني أن ترد على كل طلقة بطلقة وإنما أن تجعل الخصم يدرك أن كلفة الاعتداء ستكون أعلى من المكسب المتوقع منه.

والسعودية سبق أن استخدمت القوة حين رأت ذلك ضروريًا حينما أعلنت أن قواتها نفذت ضربات ضد أهداف محددة في العراق مرتبطة بهجمات على منشآت بترولية سعودية مؤكدة أنها جاءت في إطار الدفاع عن النفس.

وفي المقابل وبعد الهجوم الأخير على خط شرق–غرب، أعلنت المملكة أنها آثرت عدم الرد في هذه المرحلة بناء على طلب رئيس الوزراء العراقي لإتاحة الفرصة للحكومة العراقية لاتخاذ إجراءاتها مع تأكيد احتفاظ المملكة بحق اتخاذ جميع الإجراءات لحماية سيادتها وأمنها ومنشآتها ومواطنيها والمقيمين فيها.

وهنا تظهر فلسفة مختلفة للردع وهي أن تمتلك القوة ولكن لا تجعل خصمك هو الذي يحدد لك توقيت استخدامها.

وفي العلوم العسكرية الاستراتيجية يصبح الرد أكثر إلحاحًا عندما يؤدي عدم الرد إلى نتيجة أخطر من الرد نفسه أي عندما يبدأ الخصم في تفسير ضبط النفس باعتباره انخفاضًا في كلفة الاعتداء أو عندما تتحول الهجمات من أحداث متفرقة إلى نمط متكرر يهدد مراكز الثقل الوطنية.

لكن الرد الناجح هو الذي يحقق الهدف السياسي والعسكري بأقل كلفة ممكنة ويحرم الخصم من المكاسب التي كان يسعى إليها ويحافظ في الوقت نفسه على حرية الحركة الاستراتيجية للدولة.

ولهذا قد يكون الرد عسكريًا أو سياسيًا أو اقتصاديًا أو استخباراتيًا أو مزيجًا محسوبًا من هذه الأدوات.

فالدول لا تنتصر لأنها أطلقت ذخيرة أكثر وإنما لأنها حققت أهدافها الاستراتيجية بأفضل معادلة بين القوة والكلفة .

فإذا استمرت الدولة وبقي القرار السياسي مستقلًا وحافظ المجتمع على تماسكه واستمرت مؤسسات الدولة في أداء وظائفها وظلت القوات المسلحة قادرة على اختيار مكان الرد وزمانه وطريقته هنا تكمن قوة الردع الحقيقية.

أن يعرف خصمك أنك قادر على الرد لكنه لا يعرف متى سترد؟ ولا أين؟ولا بأي أداة؟ وأن يدرك قبل أن يطلق سلاحه أن ما سيكسبه من الهجوم أقل كثيرًا مما قد يخسره بسببه.

وفي ميزان الاستراتيجية ليست القوة أن تدخل كل معركة تُدفع إليها بل أن تبقى أنت من يقرر أي معركة تخوض ومتى تخوضها وما النهاية التي تريدها منها وهذه هي إستراتيجية المملكة العربية السعودية مع المليشيات المتهالكة .

كاتب رأي ومستشار أمني

عبدالله سالم المالكي

لواء.م - كاتب صحفي - مستشار أمني

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.