مخاطر التيارات الفكرية

من هنا وهناك
مخاطر التيارات الفكرية
عبدالله بن سالم المالكي
في هذا الزمن العجيب الذي تتلاطم فيه الأفكار وتتعدد فيه المصادر أصبحت الفكرة المنحرفة أخطر فتكاً من الرصاصة وأشد من السيف لأنها تستهدف العقول وتغرر بالشباب وتبني قناعات قادرة على إعادة تشكيل الإنسان وغسل أدمغتهم خاصة المراهقين وصغار السن ليكونوا أدوات هدمٍ ومعول تخريب بينما هم يتوقعون أنهم في الإتجاه الصحيح .
وهنا تتضح خطورة التيارات الفكرية المتطرفة التي تتسلل إلى المجتمعات بهدوء مستغلةً الجهل أحياناً والعاطفة أحياناً والفراغ الفكري في أحيان أخرى، لتغرس مفاهيمها المشوهة في نفوسٍ متلهفة تبحث عن معنى أو فتوى أو انتماء.
إن التيارات المتطرفة لا تظهر دائماً في صورتها الصريحة، بل كثيراً ما تتدثر بثوب الدين أو الوطنية أو حتى الإصلاح،لكنها في حقيقتها تقوم على الإقصاء ورفض الآخر وتكفير المجتمع أو تخوينه وخلع بيعة ولي الأمر وتبدأ بخطابٍ بليغ يُغذّي مشاعر الغضب ثم تتدرج إلى عزل الفرد فكرياً، حتى يصبح أسيراً لرؤية أحادية لا تقبل النقاش، ولا ترى في العالم إلا الأبيض أو الأسود.
ولذلك تلاحظ أن تلك التنظيمات المحظورة تدرب المؤثرين بها على حفظ النصوص و مكامن التأثير وجودة الإلقاء وتعقد لهم دورات متقدمة في ذلك لإستدرار عواطف الشباب وغسل أدمغتهم.
ومن أخطر ما تفعله تلك التيارات أنها تُحوّل الإنسان من عنصر بناء إلى أداة صراع، حيث تزرع الكراهية بدلاً من التعايش، وتُشرْعِنْ العنف بدلاً من الحوار، وتُقنع أتباعها بأن الفوضى طريقٌ للإصلاح، وأن هدم الاستقرار هو السبيل لإقامة الخلافة الراشدة كما يزعمون !!!
وهنا تتزعزع أركان الأمن،وتنتشر الفوضى الخلاقة وتكثر الإشاعات المغرضة وتضعف الثقة في قوات الأمن مما يؤدي الى شلل كلي أو جزئي في كثير من مناحي الحياة وذلك يؤثر حتماً على اللحمة الوطنية وينعكس على ما تتمناه الشعوب من أمن وأمان ورخاء وإستقرار .
ولذلك، فإن توعية المجتمع ليست خياراً ثانوياً بل ركيزة أساسية للدفاع عن الوطن والمحافظة على اللحمة الوطنية ودرء الأخطار عن المواطنين .
وتبدأ التوعية من الأسرة ( إبدأ بمن تعول ) و ( الأقربون أولى بالمعروف ) حيث تُغرس قيم الاعتدال ويُفتح باب الحوار ويُربّى الأبناء على التفكير لا التلقين، ثم يأتي دور المدرسة، التي لا ينبغي أن تكون مجرد ناقلٍ للمعرفة بل مصنعاً للوعي يُعلّم الطلاب كيف يميزون بين الفكر المنحرف وكيف يناقشون دون تعصب؟ !.
أما الإعلام فلابد من تسخيره كمنبراً للتنوير وكشف زيف الخطاب المتطرف والإرشاد الى الطريق المستقيم والبعد عن التشدد والتطرف الممقوت وهنا تبرز مسؤولية الكلمة والصورة والمنصة الرقمية في بناء وعيٍ جماعيٍ قادر على كشف التضليل.
ولا يمكن إغفال دور المؤسسات الدينية والفكرية ممثلةً في هيئات الأمر بالمعروف وأئمة المساجد الذين يقع على عاتقهم تصحيح المفاهيم وبيان وسطية الدين ومواجهة التأويلات المنحرفة بالحجة والدليل فالمعركة مع التطرف هي في جوهرها معركة وعي،قبل أن تكون مواجهة أمنية.
وفي نهاية المطاف، يبقى المجتمع الواعي هو الحصن الحقيقي للوطن فحين يدرك أفراده خطورة الفكر المنحرف ويملكون أدوات نقده يصبح من الصعب اختراقهم أو استقطابهم.
إن الأمن يُبنى بالأنظمة والعقول المستنيرة، والنفوس المتزنة، والبيئة التي ترفض الغلو كما ترفض الإفراط و التفريط.
كاتب رأي ومستشار أمني



