دورة الحياة

من هنا وهناك
دورة الحياة
عبدالله بن سالم المالكي
هناك عبارة كنا نتداولها نكايةً بمن يعمل عملاً خاطي وهي عبارة ( كما تدين تدان ) والحقيقة أن هذه العبارة ليست للترهيب بل أيضاً ممكن أن نستعملها للترغيب فكلما قدمت خيراً ستجد الأجر من الله أولا ومن خلق الله ثانياً وكلاهما خير .
وكما قيل في المثل الشعبي الدارج : من قَدّم السبت لقي الأحد وهذا لا يعني بالضرورة وعد وتهديد بقدر ما هو شحذٌ للهمم لتقديم الخير .
لذلك ( لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجهٍ طلق ) .
هنا سأورد لكم حكاية رجل علمته الحياة تجارب جميلة فنقلها لغيره للعظة والعبرة وسأنقلها لكم من ذات الباب ونسأل الله أن لا يحرمه ولا يحرمنا من أجرها.
يقول ذلك العاقل الحكيم :
كنتُ في مطلع الشباب أمدّ ذراعي للحياة من جهة العطاء، لا من جهة الأخذ.
فكنت أذهب إلى التبرع بالدم كلما فُتح لي باب، وفي قلبي خفة الواثق أن العمر مديد، وأن الصحة رفيق لا يفارق، وأن الحاجة كلمة تُقال عن الآخرين ولا تُكتب عليّ.
وهكذا يغرّ الشبابُ أصحابَه، يكسوهم وهم الاكتفاء، ويُخفي عنهم حقيقة الفقر المؤجل في كتاب الأيام.
وقد حصلت على وسام الاستحقاق للتبرع بالدم من الدرجة الأولي بأمر من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله.
ومضت الأعوام، ومضى معها ذلك الفتى الذي كان يظن أن اليد إن أعطت فلن تحتاج، حتى إذا بي اليوم أقف على حقيقة الإنسان عاريًا من أوهامه، أحتاج إلى الدم مرة بعد مرة، يكاد الموعد يكون كل أسبوعين.
عندها انكشف المعنى الذي كان مستورًا خلف ستار العافية، أن ما يخرج منك لله لا يخرج عنك، بل يدور دورة الرحمة ثم يعود إليك حين تضعف دورتك.
فالحمد لله قبل العطاء والحمد لله بعد الحاجة، والحمد لله في القوة حين تُنسي، وفي الضعف حين يُذكِّر.
وفي احد الأيام لقيتُ في المطار شيخًا سوريًا مقعدا لا يستطيع الحركة مع زوجته، وقد تقطعت بهما الأسباب، وقد يهيئ الله للإنسان كلمةً واحدة، يجعلها مفتاح تفسير عمرٍ كامل.
فأنفقت جهدي وما استطعت من حيلة حتى يسّر الله سفرهما. فلما انفرجت كربته، التفت إليّ بعينٍ تعرف سرّ الدعاء أكثر مما تعرف ألفاظه، وقال يا بني :
«من خدم شيخًا ذا شيبة، يسّر الله من يخدمه في شيبته».
ثم دارت الأرض دورتها، وصرتُ أنا الشيخ الذي تُقضى له الحوائج. أرى في المستشفى، وفي غيره، وجوهًا لا أعرفها تتسابق إلى خدمتي، وأيدي تمتد قبل أن أطلب، وقلوبًا تسبق العبارة.
عندها فهمت أن المجتمع مهما ادعى البرود والتنظيم واللوائح لا يعيش بالعقود، بل يعيش ببقايا الرحمة المختبئة في فطرة الناس.
لقد قيل لنا كثيرًا إن العالم الحديث قد حوّل العلاقات إلى وظائف: مريض وطبيب، مراجع وموظف، رقم وملف، أداء وواجب.
كأن الإنسان ترسٌ في آلة، لا روح فيه ولا ذاكرة، ولا تاريخ من المعروف يعود عليه.
لكن الحقيقة التي رأيتها رأي العين أن تحت هذا السطح الصلد نهرًا خفيًا من المودة، متى مسّه لطف الله فاض، فتكسّرت الحدود الباردة، وعادت الوجوه بشرًا بعد أن كادت تصير إجراءات.
هناك مجتمعٌ تعاقديٌّ يقول لك: لك ما دفعت، وعليك ما استحققت، وهناك مجتمعُ رحمةٍ يقول: لك ما تحتاج، ولو لم تملك.
الأول يحسب الإنسان بقدر نفعه، والثاني يراه بقدر إنسانيته.
الأول يسلّمك إلى النظام، والثاني يحملك إلى القلب.
وما أكثر ما يُخيَّل إلينا أن الثاني قد غاب، حتى إذا نزلت بالمرء حاجته، بعثه الله لنا في هيئة أشخاص لا نعرف أسماءهم، لكن يعرف فيهم أثر العناية. فأدركنا أن المعروف لا يضيع في زحام الوظائف، وأن الله يدّخره في ضمائر عباده، ثم يطلقه ساعة يشاء.
إن العطاء ليس حركة يد، بل بناءُ عالم. تزرع به في المجتمع معنى يتجاوز الحساب، وتؤسس به صلةً لا تقطعها لوائح ولا تنهيها نوبات العمل. تضعه اليوم في يد غريب، فيصير غدًا وطنًا من الألفة يحيط بك وأنت ضعيف.
تلك سنّة الله: أن يربّي الإنسان بالعطاء قبل أن يبتليه بالأخذ، ليذوق في حاجته طعم ما قدّم، لا مرارة ما فقد.
ونحمد الله أننا نعيش في المملكة العربية السعودية مملكة الإنسانية ومملكة الخير والعطاء الذي تربينا فيها على الفطرة السليمة التي يحترم فيها الصغير الكبير ويعطف فيها الكبير على الصغير وفيها من التكافل الإجتماعي ما يثلج الصدر ويرفع الروح المعنوية ونسأل الله أن يديم علينا ما ننعم به من مجتمع حيوي محبٍ للخير والبذل والعطاء .
كاتب رأي ومستشار أمني



