أقلام ناشئة

المقتدي الأعمى

المقتدي الأعمى

في إجازة الصيف الهادئة، جلست على سريري ممسكةً بهاتفي، أقلب بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بلا هدف واضح. وبين مقطع وآخر، استوقفني حساب لشخص يُدعى “صالح”، يتحدث عن الدين بأسلوب مؤثر وكلمات تلامس القلب. شدّني حديثه، فتابعت مقاطعه واحدًا تلو الآخر، ولم أكن وحدي؛ فقد كان عدد متابعيه يتزايد يومًا بعد يوم، وتعليقاته تمتلئ بالدعاء والثناء له. في البداية، أحببت ذلك، وقلت: ما أجمل أن يجتمع الناس على الخير، وما أجمل أن يكون للحق صوت يسمع.
لكن مع مرور الزمن، لاحظت أمرًا مريبًا. بدأ إعجاب المتابعين يتحول إلى أمر آخر، أمر لم أرتح له. لاحظت أن المتابعين لم يعودوا يميزون بين الصواب والخطأ في كلامه، بل أصبحوا يتقبلون كل ما يقوله دون تمحيص أو تفكير، وكأن عقولهم قد توقفت عند حد الإعجاب. فإذا أخطأ في مسألة، سارعوا إلى تبريرها، وإذا قال قولًا قابلًا للنقاش، جعلوه حقيقة لا تقبل الجدل.
وذات يوم، نشر “صالح” مقطعًا تحدث فيه عن أمر ديني، لكنني شعرت أن في كلامه خللًا أو نقصًا. توقعت أن أجد في التعليقات من يناقشه بأدب، أو يصحح له بلطف، لكنني فوجئت بأن الجميع يمدحه كعادته، وكأن شيئًا لم يكن. حينها شعرت بشيء من الدهشة، وتساءلت في نفسي: أيعقل أن يكون هذا الرجل مصيبًا دائمًا؟ أم أن الناس قد اعتادوا اتباعه حتى فقدوا القدرة على التمييز؟
ومع مرور الأيام، ازداد الأمر وضوحًا؛ فقد تحول الإعجاب إلى انبهار، والانبهار إلى تبعية، ثم إلى نوع من التقديس المفرط والغلو، وكأن هذا الإنسان قد رُفع عن دائرة الخطأ وأُلبس ثوب العصمة الموهومة. هنا بدأت أشعر بخطورة الاقتداء الأعمى، ذلك الاقتداء الذي لا يُبنى على وعي ولا يستند إلى عقل، بل يقوم على الانسياق خلف الأشخاص لمجرد تأثيرهم أو حسن حديثهم.
فليس كل من أحسن القول أصاب في كل شيء، وليس كل من دعا إلى الخير معصومًا من الزلل. فالإنسان، مهما بلغ من العلم والصلاح، يظل من البشر، ومن الطبيعي أن يقع في الخطأ وتعتريه الغفلة، ويحتاج إلى من يرشده كما يرشد غيره. ومن الخطأ أن نجعل الأشخاص معيارًا للحق، بل الواجب أن نجعل الحق هو المعيار الذي نزن به الأشخاص، فما وافقه قبلناه، وما خالفه تركناه دون تردد.
وفي تلك اللحظة، وضعت هاتفي جانبًا، وأدركت أن أعظم ما يمكن أن يملكه الإنسان ليس مجرد التأثر بالكلام، بل القدرة على التمييز بين الإعجاب الواعي والاقتداء الأعمى. فالعاطفة وحدها لا تكفي، بل لا بد من عقلٍ يوازن، وبصيرةٍ تهدي، وعلمٍ يضبط الأحكام.
كما أدركت أن وسائل التواصل، رغم ما فيها من خير، قد تكون بابًا للفتنة إن لم نحسن التعامل معها. فهي تُظهر لنا الأشخاص في صورة مثالية، تخفي خلفها جوانب النقص، وتجعلنا ننسى أنهم بشر يخطئون كما نصيب. ولذلك، ينبغي علينا أن نكون أكثر وعيًا، وألا ننجرف خلف كل مؤثر لمجرد شهرته أو حسن أسلوبه.
فيا إخوتي، أذكر نفسي وأذكركم بعدم الانخداع بالمظاهر والكلام، ولا تجعلوا عواطفكم تتغلب على عقولكم، فالعقول التي وُهِبت لنا وُهِبت لنحسن استخدامها، لا لنعطلها خلف إعجاب عابر أو انبهار مؤقت. فليس كل من أحسن الكلام أصاب، ولا كل من ظهر بمظهر الصلاح سلم من الخطأ.
فلنكن على وعي وبصيرة، نأخذ من الناس خير ما عندهم، ونترك ما أخطأوا فيه، دون إفراط في التقديس أو الغلو. اجعلوا لأنفسكم ميزانًا ثابتًا لا يتغير بتغير الأشخاص، ولا يتبدل بتبدل الظروف، ميزانًا قائمًا على كتاب الله وسنة نبيه ﷺ.
فقد أرشدنا النبي ﷺ إلى الطريق الواضح الذي لا يضل من تمسك به، فقال: «تركت فيكم أمرين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ». فبهما النجاة، وبهما الهداية، لا باتباع الأشخاص دون تمحيص، ولا بالانبهار الذي يُعمي البصيرة.
وتذكروا دائمًا أن الحق لا يُعرف بالرجال، بل الرجال يُعرفون بالحق، وأن سلامة القلب لا تكون بكثرة المتابعة، بل بصدق التوجه، وصحة المنهج، ونقاء القصد. فاحرصوا على أن يكون ميزانكم ثابتًا، وقلبكم يقظًا، وعقلكم حاضرًا، حتى لا تكونوا من الذين ينجرفون خلف كل صوتٍ مؤثر دون بصيرة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بقلم : عائشة وليد محمد عبد المولى

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى