أقلام ناشئة

الخلوات مرآة الصدق

الخلوات مرآة الصدق

يحرصُ الإنسانُ بطبعه على سمعته ومكانته بين الناس، فيُحسنُ خُلقه، ويُجَمِّلُ تعامله، ويتودّدُ إليهم لينال محبتهم، ويعلو قدره في أعينهم. لكن يبقى السؤال الأعمق: هل يحرصُ بالقدر ذاته على علاقته بخالقه؟ وهل يعتني بسريرته كما يعتني بظاهره؟

إنّ حقيقة الإنسان لا تُقاسُ بما يُظهِره أمام الناس، بل بما يكون عليه في الخفاء؛ في صمت الغرف، وفي خلوات اللحظات، حيث لا رقيب إلا الله. هناك، خلف الحُجُب، تتجلّى حقيقة القلوب، ويُعرف الصادق من المتكلّف، والتقيّ من الغافل. فخشيةُ الله الحقيقية لا تُصنع أمام العيون، ولا تُزيَّن طلبًا للثناء، بل تنبت في القلب سرًّا، بين العبد وربه، لا يطّلع عليها أحد.

ولهؤلاء الذين يخشون ربهم بالغيب وعدٌ عظيم، ومقامٌ كريم، كما قال سبحانه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
فهم قومٌ استقامت سرائرهم كما استقامت ظواهرهم، فاستحقوا المغفرة، ونالوا الأجر الجزيل.

وقد أرشد النبي ﷺ إلى هذا المعنى العظيم بقوله:
“اتقِ الله حيثما كنت…”،
فالتقوى ليست حالًا مؤقتًا، ولا مظهرًا يُتَّخذ، بل هي حياةٌ يعيشها المؤمن في العلن والخفاء.

وحذّر ﷺ من حالٍ خطير، فقال:
“لأعلمنَّ أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله هباءً منثورًا”… ثم بيّن سبب ذلك:
“ولكنهم أقوامٌ إذا خلوا بمحارمِ الله انتهكوها”.
فليست العبرة بكثرة الأعمال، بل بصدقها وثباتها حين يغيب الناس.

ومن تمام الإيمان أن يكون باطنُ العبد خيرًا من ظاهره، وأن يخشى الله في سره كما يخشاه في علنه، بل أشد. فهناك تُكتب النجاة، وهناك تُغرس البذور الأولى للثبات والقبول.

وفي الختام، أوصي نفسي وإياكم أن نجعل خشية الله زادًا دائمًا، لا ينقطع في خلوةٍ ولا في جلوة، وأن نراقبه في السر قبل العلن، فإن من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، وبارك له في عمره وعمله.
وقد قال تعالى:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.

فلنحرص أن نكون ممن إذا أُغلِقت الأبواب، وفُقِدت العيون، بقيت قلوبهم عامرةً بخشية الله، ثابتةً على طاعته؛ فذلك هو الصدق الذي لا يزول، والنور الذي لا ينطفئ.

✍🏻 عائشة وليد عبد المولى

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى