السعودية… وميلاد النظام البحري الجديد

السعودية… وميلاد النظام البحري الجديد
ليست التحولات الكبرى في التاريخ تلك التي تبدأ بإطلاق رصاصة، بل تلك التي تبدأ بفكرة. وكثيرًا ما تبدو الفكرة في بدايتها مجرد استجابة لأزمة عابرة، ثم يكتشف العالم بعد سنوات أنه كان يشهد ولادة نظام دولي جديد.
ولهذا، فإن قراءة التحالف البحري الذي تقوده المملكة العربية السعودية بوصفه مجرد إجراء أمني لحماية البحر الأحمر أو مواجهة تداعيات التوتر في المنطقة، هي قراءة لا ترى إلا ظاهر الحدث، بينما تغفل ما قد يحمله من أبعاد استراتيجية أوسع.
فمن وجهة نظري، نحن لا نشهد فقط تحركًا لحماية خطوط الملاحة، بل ربما نشهد بداية تحول في فلسفة الأمن البحري العالمي؛ انتقالًا من ردود الأفعال المؤقتة إلى بناء منظومة تعاون دولية لحماية شرايين الاقتصاد العالمي.
وليس هذا الاستنتاج وليد اللحظة، بل هو امتداد لقراءة حاولتُ بناءها عبر سلسلة من المقالات خلال الأشهر الماضية.
فعندما كتبت «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» في 25 مايو 2026، أوضحت أن جوهر الأزمة لم يكن في التصريحات أو الاتفاقات، وإنما في التفاصيل التي تتحكم في أمن المضائق البحرية، وأن هذه المضائق ستظل إحدى أهم أدوات الضغط الجيوسياسي ما لم تتشكل منظومة قادرة على حمايتها بصورة مستقرة.
ثم جاء مقال «حوار الطرشان» بتاريخ 8 يوليو 2026 ليؤكد أن المنطقة تدور في حلقة متكررة من التفاوض والتصعيد والتهدئة، وأن المشكلة ليست في تعدد الأزمات، بل في غياب إطار دائم يمنع تكرارها.
وفي «إيران بعد الحرب» أشرت إلى أن نهاية المواجهات العسكرية لا تعني نهاية الصراع، لأن المنافسة الحقيقية ستنتقل إلى الاقتصاد العالمي، حيث تصبح الممرات البحرية أكثر تأثيرًا من ساحات القتال.
ثم جاء مقال «بعد السماء… الأرض!» بتاريخ 28 يوليو 2026 ليشير إلى أن المرحلة التالية من التنافس لن تكون في المجال الجوي، بل في البحار التي تمر عبرها الطاقة، والتجارة، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد العالمي بأكمله.
واليوم، تبدو تلك القراءة أقرب إلى الواقع.
فقد انتقل الحديث من مجرد التحليل إلى خطوات عملية، مع إعلان المملكة مبادرة لتأسيس تحالف دفاع بحري متعدد الجنسيات، واستضافة اجتماع دولي ضم عشرات الدول والجهات الدولية لمناقشة حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن. كما أعلنت مجموعة من الدول دعمها الأولي للمبادرة، فيما تواصل دول أخرى دراسة آليات الانضمام إليها، وهو ما يعكس اتساع القناعة الدولية بأن أمن الممرات البحرية لم يعد مسؤولية دولة بعينها، بل مسؤولية جماعية.
ولعل اللافت أن آثار التهديدات البحرية لم تعد تقتصر على الجوانب العسكرية، بل امتدت مباشرة إلى الاقتصاد العالمي، مع ارتفاع تكاليف التأمين البحري وزيادة المخاطر على حركة السفن. وهذا يؤكد أن أمن الملاحة أصبح قضية اقتصادية بامتياز، وأن حماية البحر تعني حماية التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد التي يعتمد عليها العالم بأسره.
عندما تتحرك السعودية… يتحرك العالم
هناك دول تمتلك القوة.
وهناك دول تمتلك الثروة.
وهناك دول تمتلك النفوذ.
لكن عددًا قليلًا جدًا من الدول يمتلك الثقة.
وهذه هي القوة التي بنتها المملكة العربية السعودية عبر عقود من السياسة المتزنة، والقدرة على الجمع بين الحزم والحكمة، وبين المصالح الوطنية والمسؤولية الإقليمية والدولية.
فالسعودية ليست دولة تبحث عن صناعة الأزمات، ولا عن تصدير الصراعات، بل عن صناعة الاستقرار.
ولهذا، عندما تتحرك الرياض، فإن كثيرًا من العواصم لا تنظر فقط إلى حجم قدراتها العسكرية، بل إلى سجلها السياسي، وإلى قدرتها على بناء التوافقات، وإلى مصداقيتها حتى لدى الأطراف التي تختلف معها.
ولعل هذه الميزة هي ما يجعل المبادرات السعودية قابلة للتحول من مبادرات إقليمية إلى مشاريع تحظى بقبول دولي.
البحر… مركز القوة الجديد
علمتنا الجغرافيا أن من يسيطر على البر يحمي حدوده.
لكن الاقتصاد الحديث علمنا أن من يحمي البحر، يحمي العالم.
فأكثر من أربعة أخماس التجارة العالمية تنتقل بحرًا، وتعتمد أسواق الطاقة والصناعة والغذاء على انسياب حركة الملاحة عبر عدد محدود من المضائق والممرات البحرية.
وأي اضطراب في هذه الشرايين لا ينعكس على دولة بعينها، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره.
ومن هنا، لم تعد حماية البحر قضية عسكرية فحسب، بل أصبحت قضية اقتصادية واستراتيجية وإنسانية.
باب المندب… العقدة التي لا ينبغي تجاهلها
ينصب اهتمام العالم غالبًا على مضيق هرمز، لما يمثله من أهمية في صادرات النفط الخليجية.
لكنني أرى أن باب المندب يستحق اهتمامًا لا يقل عن ذلك، وربما يفوقه من زاوية تأثيره في التجارة العالمية.
فهذا المضيق يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر ثم بقناة السويس، وهو أحد أهم الممرات التي تعبرها التجارة بين آسيا وأوروبا.
وأي اضطراب طويل فيه لا ينعكس على النفط وحده، بل على الحاويات، وسلاسل الإمداد، والصناعة، وأسعار الغذاء، والتضخم العالمي.
ولهذا، فإن أي منظومة دولية تنجح في تأمين باب المندب لن تكون قد حمت ممراً بحرياً فحسب، بل ستكون قد أسهمت في حماية أحد أهم مفاصل الاقتصاد العالمي.
حضرموت… العمق البحري الذي لا ينبغي إغفاله
وعندما نتحدث عن مستقبل الأمن البحري، فإن حضرموت تستحق أن تُقرأ بعين الجغرافيا لا بعين السياسة وحدها.
فهي تمتلك واحدًا من أطول السواحل المطلة على بحر العرب، وهو منفذ بحري مفتوح مباشرة على المحيط الهندي، بما يمنحها أهمية استراتيجية في أي تصور طويل المدى للتكامل البحري واللوجستي في المنطقة.
ومن وجهة نظري، فإن أي رؤية مستقبلية تربط البحر الأحمر ببحر العرب والمحيط الهندي، وتعزز أمن الملاحة وسلاسل الإمداد، ستجد في حضرموت موقعًا ذا أهمية جغرافية واقتصادية إذا توافرت الظروف المناسبة لتطوير إمكاناتها.
وعندما ننظر إلى الخريطة كمنظومة واحدة، يصبح البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب والمحيط الهندي حلقات مترابطة في سلسلة واحدة، ويغدو أي مشروع لحماية الملاحة أكثر اكتمالًا كلما نظر إلى هذه الجغرافيا كوحدة استراتيجية متصلة.
من البرتغال إلى السعودية… كيف تغير مفهوم القوة البحرية؟
عندما سيطرت البرتغال على طرق التجارة البحرية في القرن الخامس عشر، أصبحت قوة عالمية.
ثم ورثت بريطانيا هذا الدور، حتى غدت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لأن أساطيلها كانت تؤمن طرق التجارة عبر البحار.
وفي القرن العشرين، اضطلعت الولايات المتحدة بدور رئيسي في دعم أمن الملاحة العالمية، في إطار النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية.
لكن القرن الحادي والعشرين قد يفرض نموذجًا مختلفًا.
فالعالم لم يعد بحاجة إلى هيمنة بحرية بقدر حاجته إلى شراكات تحمي حرية الملاحة وتحافظ على استقرار الاقتصاد العالمي.
ومن هنا، أرى أن القيمة الحقيقية لأي تحالف بحري مستقبلي لن تكون في فرض النفوذ، بل في بناء الثقة، واحترام القانون الدولي، وجمع الدول حول هدف مشترك هو حماية الممرات البحرية.
هل نشهد بداية عقيدة بحرية جديدة؟
قد يكون من المبكر الجزم بمسار الأحداث، لكن المؤشرات تستحق التأمل.
فإذا نجح التحالف البحري السعودي في تحقيق أهدافه، واستمرت دائرة التعاون الدولي في الاتساع، فقد يتطور مع الزمن إلى إطار أوسع لحماية الممرات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية.
وهنا لن يكون الحديث عن البحر الأحمر أو مضيق هرمز فقط، بل عن رؤية أشمل قد تشمل باب المندب، وبحر العرب، وخليج عدن، وربما غيرها من الممرات الحيوية، إذا رأت الدول المشاركة أن هذا التعاون يخدم مصالحها المشتركة.
وفي مثل هذا السيناريو، لن يكون الإنجاز في عدد السفن المشاركة، بل في نجاح المملكة في ترسيخ نموذج جديد للأمن البحري يقوم على الشراكة لا الهيمنة، وعلى الاستقرار لا الصراع.
الخاتمة
لقد أثبت التاريخ أن القوى الكبرى بنت نفوذها عبر البحار.
لكن المستقبل قد يكتب فصلًا مختلفًا؛ فصلًا لا تكون فيه القيادة لمن يفرض سيطرته على البحر، بل لمن ينجح في جعله فضاءً آمنًا للتجارة، وجسرًا للتعاون بين الأمم.
وربما يكون هذا هو الفارق الذي يميز الرؤية السعودية؛ فهي لا تنطلق من فكرة السيطرة على الممرات البحرية، بل من مسؤولية الإسهام في استقرارها، بما يخدم المنطقة والعالم.
وإذا كان القرن الماضي قد عُرف بأنه قرن التنافس على البحار، فإن القرن الحادي والعشرين قد يكون، في تقديري، قرن الشراكات البحرية.
وفي هذا السياق، قد يمثل التحالف البحري السعودي إحدى أهم المبادرات الاستراتيجية في هذا القرن، ليس فقط لأنه يعالج تحديًا آنيًا، بل لأنه قد يؤسس، مع مرور الوقت، لمفهوم جديد في الأمن البحري العالمي، تتلاقى فيه المصالح الاقتصادية مع المسؤولية الدولية، وتصبح حماية الممرات البحرية مسؤولية مشتركة لا ساحة للتنافس.
لقد علّمنا التاريخ أن من يحمي البر يحفظ حدوده… أما من يحمي البحر، فإنه يسهم في حماية العالم.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
31 يوليو 2026
