حين يُطعم الجائعُ جلّاده

حين يُطعم الجائعُ جلّاده
مأساة اليمن بين شعبٍ أنهكته الحاجة وسلطةٍ لا تشبع
ليست الصورة التي أمامنا مجرد رسم ساخر لرجلٍ سمين وآخر هزيل. إنها اختزال قاسٍ لعلاقة مختلة بين السلطة والمواطن: رجل لا يكاد يجد ما يبقيه حيًا، ومع ذلك يحمل صحنه الصغير ليطعم منه رجلًا تجاوز الشبع إلى التخمة.
والأشد إيلامًا أن الجائع هو الذي يمسك بالملعقة.
هذه المفارقة تصلح، بدرجة موجعة، لقراءة جانب كبير من المأساة اليمنية. فاليمني الذي أرهقته الحرب، وانهيار العملة، وغلاء المعيشة، وانقطاع الرواتب والخدمات، يجد نفسه في كثير من الأحيان مطالبًا بتمويل منظومات سياسية وعسكرية وإدارية لم تنجح في بناء دولة تحميه، ولا اقتصاد يطعمه، ولا مؤسسات تحفظ كرامته.
المشكلة في اليمن لم تعد فقط أن الشعب فقير؛ بل أن الفقر نفسه أصبح جزءًا من بنية السلطة.
حين تكون الدولة الطبيعية قوية، يدفع المواطن إليها جزءًا من دخله، ثم تعيد إليه ذلك في صورة أمن وتعليم وصحة وقضاء وبنية تحتية وفرص عمل. أما حين تنقلب المعادلة، فإن المواطن يدفع ولا يسترد شيئًا تقريبًا؛ يدفع ضريبة، ورسومًا، وجبايات، وفارق عملة، وارتفاع أسعار، وكلفة كهرباء وماء ونقل، ثم يدفع فوق ذلك كله ثمن فشل السياسة والحرب.
وهنا تصبح الصورة أكثر عمقًا: الرجل الهزيل لا يطعم شخصًا واحدًا، وإنما يطعم منظومة كاملة.
منظومة تتعدد فيها الحكومات والسلطات والجماعات ومراكز النفوذ، بينما يبقى المواطن واحدًا. لكل طرف خطاب، وراية، ومشروع، ومبررات، وأجهزة ومسؤولون؛ ولكن عندما نصل إلى المواطن البسيط نجد السؤال ذاته منذ سنوات:
ماذا حصل عليه مقابل كل هذه التضحيات؟
بعد أكثر من عقد من الحرب، لا يكفي أن نقول إن اليمن يعيش أزمة سياسية. ما يحدث أعمق من ذلك؛ إنه استنزاف طويل للمجتمع. فالحرب التي كان يفترض أن تكون ظرفًا استثنائيًا أصبحت عند أطراف عديدة بيئة سياسية واقتصادية مستدامة، ونشأت حولها مصالح لا تستطيع العيش بسهولة في زمن الدولة الطبيعية.
هناك اقتصاد للحرب، ووظائف للحرب، ونفوذ يولد من الحرب، وتمويل يتحرك بسبب الحرب، وقيادات يصنعها استمرار الأزمة أكثر مما يصنعها نجاح الدولة.
وهنا تكمن المفارقة الخطيرة:
قد يكون المواطن اليمني هو الطرف الوحيد الذي لديه مصلحة حقيقية ومباشرة في انتهاء الحرب، بينما توجد أطراف تستفيد من استمرارها بأشكال مختلفة.
وهذا لا يعني أن كل مسؤول فاسد، أو أن كل موظف حكومي مستفيد، أو أن المسؤولية موزعة بالتساوي بين جميع الأطراف. مثل هذا التعميم يفسد التحليل. لكن النتيجة التي يراها المواطن على الأرض واضحة: تعددت السلطات، ولم تتعدد الخدمات؛ كثرت مراكز القرار، وقلّت قدرة الإنسان على تقرير مصيره اليومي.
ثم جاءت المساعدات الخارجية لتكشف مفارقة أخرى.
لقد ضُخت أموال هائلة على مدى سنوات تحت عناوين الإغاثة والاستقرار والإعمار ودعم المؤسسات. لكن السؤال الذي ينبغي ألا يخاف أحد من طرحه هو:
كم ريالًا من كل مئة ريال دخلت باسم المواطن اليمني وصل أثرها الحقيقي والمستدام إلى حياته؟
ليس المقصود اتهام كل المساعدات أو الجهات المانحة؛ فقد أنقذت برامج إنسانية أرواحًا بلا شك. لكن الإغاثة، عندما تستمر سنوات بلا انتقال إلى اقتصاد منتج ومؤسسات مستقرة، يمكن أن تتحول من علاج إلى جهاز تنفس اصطناعي يبقي الأزمة قائمة دون أن يعالج سببها.
واليمن يمتلك مفارقة تكاد تكون تاريخية: بلد غني بالإنسان والموقع والثروات والإمكانات، وشعب يعاني الفقر فوق أرض ليست فقيرة.
وهذا فارق جوهري.
فقر الموارد شيء، وإفقار الشعوب شيء آخر.
الأول قد تفرضه الجغرافيا، أما الثاني فغالبًا ما تصنعه السياسة وسوء الإدارة والفساد والحروب والاحتكار وغياب المؤسسات.
والصورة تحمل معنى سياسيًا أخطر من الجوع نفسه. الرجل النحيل قادر جسديًا على أن يوجه الملعقة إلى فمه، لكنه يوجهها إلى فم الرجل المتخم.
لماذا؟
هنا يبدأ السؤال الحقيقي عن اليمن.
كيف استطاعت النخب المتصارعة، على اختلاف شعاراتها، أن تجعل المواطن يتحمل كلفة صراعها؟ وكيف أصبح اليمني مطالبًا بالصبر كل مرة، بينما لا يُطلب من الطبقات السياسية القدر نفسه من التضحية؟ وكيف أصبح التقشف واجبًا على الفقير، بينما الامتيازات حقًا مكتسبًا لدى بعض أصحاب النفوذ؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يجوع فقط، وإنما أن يعتاد الجوع السياسي؛ أن يقتنع بأن دوره هو دفع الثمن، وأن السياسة شأن خاص بالنخب، وأن الحاكم يتغير بينما تبقى العلاقة بين السلطة والمواطن كما هي.
وهنا يجب أن نتوقف عند خطأ شائع: الشعب اليمني ليس كتلة سياسية واحدة، ولا ينبغي تحميل الإنسان البسيط مسؤولية خيارات القوى التي تحكم مناطق مختلفة بالقوة أو الأمر الواقع أو الشرعية السياسية. فهناك ملايين اليمنيين الذين لا يملكون قرار الحرب ولا السلام ولا توزيع الموارد.
لذلك فإن تحميل الشعب كله وزر ما فعلته نخب اليمن سيكون ظلمًا آخر يضاف إلى الظلم الواقع عليه.
لكن الشعوب، في النهاية، تواجه لحظة تاريخية يصبح فيها السؤال:
إلى متى؟
إلى متى يمول الفقير دولة لا تحميه؟
إلى متى يضحي المواطن من أجل سياسي لا يضحي بمنصبه؟
إلى متى تُرفع شعارات الوطن بينما المواطن يبحث عن راتبه والكهرباء والدواء؟
وإلى متى تكون قيمة الإنسان اليمني أقل من قيمة الكرسي الذي يتقاتل الآخرون عليه؟
المعادلة الطبيعية ليست أن يطعم الشعب السلطة.
السلطة موجودة أصلًا لكي تخدم الشعب.
ومن لا يستطيع توفير الحد الأدنى من الأمن والقانون والخدمات والاقتصاد والمساءلة، ثم يطالب الناس بمزيد من الأموال والصبر والتضحيات، عليه أن يجيب عن سؤال الشرعية بمعناها الحقيقي، لا القانوني فقط:
ما الذي يبرر وجودك في حياة الناس؟
لهذا فإن إنقاذ اليمن لن يبدأ بمجرد اتفاق بين السياسيين، ولا بصورة جماعية جديدة، ولا بتغيير أسماء المناصب، ولا بإضافة مجلس إلى المجالس القائمة.
إنقاذ اليمن يبدأ عندما تنقلب الصورة.
عندما تصبح الثروة في خدمة الإنسان، والمؤسسة في خدمة المواطن، والجيش في خدمة الدولة، والسياسة في خدمة الاستقرار، والمسؤول موظفًا لدى المجتمع لا سيدًا عليه.
وعندما يسأل المواطن أين تذهب أمواله، ويصبح السؤال حقًا لا جريمة.
الصورة إذن لا تقول إن الشعب جائع والحكومة سمينة فحسب.
إنها تقول شيئًا أخطر:
المأساة تبدأ عندما يجوع الشعب، لكنها تتحول إلى نظام كامل عندما يصبح الجائع نفسه مسؤولًا عن إطعام من أفقروه.
واليمن لن يخرج من أزمته بتغيير اليد التي تمسك بالملعقة فقط.
بل عندما يدرك اليمنيون أن الطعام لهم، والثروة لهم، والدولة لهم، وأن السلطة ليست فمًا مفتوحًا فوق المجتمع، وإنما أداة أنشأها المجتمع لخدمته.
وعندها فقط يمكن أن تنتهي الصورة التي اختزلت مأساة سنوات طويلة:
شعب نحيل يحمل الوطن على كتفيه…
وسلطات متخمة تتنازع على من يأكل أولًا.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
13 سبتمبر 2026
