معيار الفرز

معيار الفرز
منـيرا الـعتـيبي
ليست أزمة العصر شحّ المعرفة، بل تضخّم المدخلات. فالعقل المعاصر لا يعاني من صعوبة الوصول إلى المعلومة بقدر ما يعاني من عجزه عن تحديد ما يستحق الوصول إليه أصلًا. كل يوم تنهال عليه آراء، وأخبار، وترندات، ونقاشات، وتفاصيل عابرة؛ وكل واحدة منها تصل في هيئة توحي بأنها جديرة بالانتباه. ومع كثرة ما يطرق أبواب الوعي، يصبح الخطر الحقيقي أن يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين ما يستحق التفكير وما يستحق التجاهل.
لقد اعتدنا أن نتعامل مع كل ما يصل إلينا بوصفه مادةً للمعالجة: نقرأ، ونحلل، ونكوّن موقفًا، ونرد، ونتابع ما استجد. وكأن مجرد ظهور الشيء أمامنا يمنحه حقًا تلقائيًا في استهلاك جزء من وعينا. لكن ما نمنحه انتباهنا لا يمر بنا دائمًا مرورًا عابرًا؛ فقد يتحول إلى فكرة، والفكرة إلى موقف، والموقف إلى سلوك. لذلك فإن إدارة المدخلات ليست مسألة تنظيم وقت فحسب، بل ممارسة لحماية الذات الفكرية والنفسية.
من هنا تأتي أهمية «المعيار».
قوة العقل لا تُقاس بكثرة ما يجمعه، بل بقدرته على تحديد ما لا يحتاج إليه. فالعقل الناضج لا يفتح أبوابه لكل ما يطرقها، ولا يرى في الرفض نقصًا في المعرفة؛ بل يدرك أن الاستبعاد الدقيق جزء من الذكاء نفسه.
وهنا يظهر الفرق بين «الميزان» و«المعيار».
الميزان يتعامل مع الفكرة بعد دخولها: يفحص حجتها، ويقارنها بغيرها، ويبحث في صحتها ومتانتها.
أما المعيار فيسبق ذلك كله؛ يقف عند العتبة ويسأل:
هل تستحق هذه الفكرة أن تدخل أصلًا؟ هل تمس ما أتعلمه أو أبنيه أو أؤمن به؟
هل ستضيف إلى فهمي أو قراري؟
أم أنها مجرد مادة جديدة تطلب من انتباهي مساحة لا ضرورة لها؟
وهذا التفريق مهم؛ لأننا كثيرًا ما نخلط بين صحة الشيء وقيمته بالنسبة إلينا. قد تكون المعلومة صحيحة، لكنها لا تعنينا. وقد يكون الرأي ذكيًا، لكنه لا يضيف إلى مشروعنا شيئًا. وقد تكون القضية شديدة التداول، لكنها لا تستحق أن تتحول إلى قضية شخصية لمجرد أن الجميع يتحدثون عنها.
فليس السؤال دائمًا: «هل هذا صحيح؟»
أحيانًا يكون السؤال الأكثر نضجًا: «هل أحتاج أن أعرفه أصلًا؟»
فالإنسان لا يحدد قيمة الأشياء دائمًا من داخل منظومته الخاصة؛ كثيرًا ما يستعيرها من مقدار الاهتمام الذي يمنحه الآخرون لها. ما يتكرر أمامه يبدو مهمًا، وما يثير الجدل يبدو عاجلًا، وما يتداوله الجميع يبدو جديرًا بالمتابعة. وهكذا قد تتحول كثافة الحضور إلى وهم في القيمة، فتقرر البيئة المحيطة ما يشغل العقل قبل أن يقرر هو.
لهذا فإن الاستقلال الفكري لا يعني مخالفة السائد دائمًا؛ فمخالفة الجماعة ليست فضيلة بذاتها، كما أن موافقتها ليست ضعفًا بذاته. الاستقلال الحقيقي أن يكون لك سببك الخاص في القبول والرفض؛ أن ترى ما ينشغل به الجميع دون أن تشعر بأن عليك الانشغال به، وأن تدرك أن بعض الموضوعات لا تحتاج منك موقفًا، وبعض النقاشات أفضل ما تفعله بها هو ألا تدخلها.
ومن هنا تُبنى «المصفاة الذهنية»: بأسئلة بسيطة لكنها حاسمة: هل يخصني هذا؟ ماذا سيضيف؟ هل سيؤثر في فهمي أو قراري أو عملي؟ وهل يستحق من وقتي وطاقة انتباهي ما سيأخذه؟
ومع تكرار هذه الأسئلة تتحول إلى عادة ذهنية؛ فلا يعود الإنسان مضطرًا إلى تحليل كل ما يعرض عليه، لأن لديه قاعدة سابقة تحدد ما يستحق التحليل. عندها لا يصبح التركيز مجرد قدرة على البقاء أمام مهمة واحدة، بل قدرة أعمق: ألا تسمح لكل شيء بأن يتحول إلى مهمة.
فالفرز ليس انتقائية مزاجية، ولا هروبًا من الواقع، بل نظام حماية يحفظ للعقل موارده الأثمن: انتباهه، ووقته، ومساحته اللازمة للتفكير العميق.
وفي زمن تتنافس فيه الأشياء على حقها في رؤوسنا، تكون الحكمة في أن نعرف ما الذي يستحق أن نعرفه، وما الذي لا يستحق أن يشغلنا أصلًا.
فحين يمتلك العقل شجاعة الإغلاق، فإنه لا يختار ما يعزل به نفسه، بل يختار ما يبقيه حياً. المعركة اليوم ليست معركة وصول، بل معركة تصفية؛ ومن لا يحرس بابه بنفسه، سيجد غريبًا يعيش في رأسه.
✍🏻كاتبة سعودية
