كُتاب الرأي

انتحار مؤجل

انتحار مؤجل

إلى كل من أحرقوا أعمارهم لتزهر دروب الآخرين، إلى من اختاروا موقع الظل ليكون غيرهم في صدارة النور، إلى كل إنسان أفرغ طاقته، وصحته، وأيام عمره في محاولة إرضاء الجميع: استفق، فإنك لا تُكرم أحداً، بل تقتل نفسك ببطء.
يا من تمضون العمر تقدمون التضحيات تلو التضحيات، تحملون ما لا تقوى الجبال على حمله، وتفنون أعماركم في أداء مهام تفوق طاقة البشر سعياً وراء رضا الناس الذي لا يدرك، وحين يرتكب الواحد منكم خطأً بشرياً بسيطاً، أو يميل ظهره المنهك لثانية واحدة تحت وطأة الإرهاق، يتحول المحيطون إلى محاكم تفتيش.
إنهم لا يرون من رصيد تضحياتكم الهائل شيئاً، بل ينتظرون بفارغ الصبر تلك اللحظة العابرة لينهالوا عليكم باللوم والعتاب، وكأن إخلاصكم الطويل كان مجرد حق مكتسب ومطلب دائم.
الأسوأ من ذلك كله، أن هناك من يتخذ من سعيكم الدائم لإرضائهم الوسيلة المفضلة للصعود؛ يضعون أقدامهم على أكتافكم المنحنية ليطالوا قمم النجاح الجاهزة، ويحصدوا ثمار عرقكم وجهدكم، بينما يتركونكم في القاع تلملمون شتات أرواحكم المستهلكة.
هم ينجحون لأنكم تحاملتم على أوجاعكم لتوفروا لهم الطريق الممهد، وحين يصلون، يستمرون في طلب المزيد غير مبالين بأن الوعاء إذا فرغ لا يعود يملك ما يمنحه، وكأن إرضاءهم غاية لا تدرك.
هذا جرس إنذار أخير: التضحية المفرطة لإرضاء الآخرين عبودية اختيارية، والعطاء الذي يستنزف الروح هو انتحار بطيء.
توقفوا عن محاولة إرضاء من لا يكتفي، تعلموا فن “اللا”، واعرفوا قدر أنفسكم حق المعرفة؛ فالصحة التي تذهب لا تعود، والعمر الذي ينقضي في السعي وراء إرضاء الناس لا يشتري ثمنه صفعة لوم من أحد، فـ “رضا الناس غاية لا تدرك”. ارفعوا أيديكم عن حمل أوزار الآخرين، ودعوهم يواجهون الحياة بأنفسهم، لتعلموا حينها من القوي حقاً. انزعوا عن كواهلكم ثقل إرضاء العالم، وابدأوا بمنح أنفسكم ما تستحقه من حب وتقدير واهتمام.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.