في ظلال المسرح

طوارئ الطائف في الصيف

طوارئ الطائف في الصيف

حينما تختنق الراحة تحت ضغط الزحام

تتربع مدينة الطائف على قمة المصايف السعودية، بجمالها الأخاذ وطقسها المعتدل، وتتحول في كل صيف إلى قبلة للزوار من كافة أرجاء المملكة وخارجها، ومع هذا الإقبال الكبير الذي يضاعف من عدد السكان بشكل هائل، تبرز تحديات لوجستية وخدمية، لعل أبرزها وأكثرها حساسية هو ما يشهده “مستشفى الملك فيصل” بالطائف، الذي يغدو في هذا التوقيت في حالة استنفار دائم لمواجهة ضغط يفوق طاقته الاستيعابية.
لقد عايشتُ هذا المشهد عن قرب؛ ففي زيارة اضطرارية لطوارئ المستشفى، وجدتُ نفسي أمام واقعٍ يدمي القلب، طوابير ممتدة، وأصوات ترقب يملؤها الألم، وساعات انتظار تجاوزت الساعتين في حالتي الشخصية، بينما يحيط بي مراجعون أنهكهم التعب قبل أن يلمسوا يد الطبيب، لا أحد يطرق باب الطوارئ للنزهة أو الترفيه، بل يأتي الإنسان إليها مضطراً، مكسوراً بمرضه، باحثاً عن لمسة علاج وكلمة طمأنة، ليجد نفسه في خضم “اختناق خدمي” يضاعف من معاناته.
إن هذه المشكلة ليست تقصيراً من الطواقم الطبية التي تبذل جهوداً جبارة تحت ضغط نفسي وجسدي لا يُحتمل، بل هي نتيجة لمركزية الخدمة التي تضع ثقل المدينة بأكملها على كاهل منشأة واحدة، لذا فإن الحل لا يكمن في الضغط على “مستشفى الملك فيصل” وحده، بل في تفعيل الدور الاستراتيجي للمستشفيات الأخرى في الطائف.
إن توزيع الثقل الصحي ضرورة حتمية؛ فمن غير المنطقي أن تظل كافة الحالات -بسيطة كانت أم حرجة- متجهة نحو وجهة واحدة، يجب تفعيل المستشفيات والمجمعات الطبية الأخرى في الطائف وتجهيزها لاستقبال الحالات الطارئة خلال موسم الصيف، بحيث يتم توزيع الضغط الجغرافي والعددي بشكل يضمن سرعة الاستجابة.
إن تحويل هذه المستشفيات إلى نقاط ارتكاز فعالة سيسهم في تقليص فترات الانتظار ومنع تكدس المراجعين في ردهات الانتظار التي شهدتُ فيها معاناة الناس بكل تفاصيلها المؤلمة.
إن معالجة هذا الملف تتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز الحلول المؤقتة:
تفعيل المستشفيات الأخرى: تجهيز المستشفيات الفرعية في الطائف ورفع جاهزيتها لاستقبال الحالات الطارئة خلال أشهر الذروة السياحية، وتخفيف الضغط عن المراكز الكبرى.
دعم الرعاية الأولية: تفعيل “طب الطوارئ الموجه” عبر تمديد ساعات عمل مراكز الرعاية الصحية الأولية لتستوعب الحالات غير الحرجة، وتفرز الحالات الخطرة للمستشفيات.
استحداث عيادات موسمية: تجهيز مراكز طبية مؤقتة في مناطق تجمع الزوار والمصايف لتقديم الإسعافات الأولية والخدمات العاجلة.
الاستقطاب الموسمي: اعتماد سياسة انتداب للكوادر الطبية والتمريضية لدعم المستشفيات خلال الصيف، مما يخفف من الاحتراق الوظيفي للكوادر الحالية.
إننا نناشد الجهات المعنية بضرورة تبني خطة طوارئ شاملة تتناسب مع حجم التدفق السياحي، وتتعامل مع الخدمة الطبية كحق أصيل للمقيم والزائر على حد سواء. إن الطائف تستحق أن تكون منظومتها الصحية بمستوى تطلعات قاصديها، وإن تحويل مستشفياتها من نقاط ضغط إلى نموذج للعمل المؤسسي الانسيابي هو أمانة ملقاة على عاتق صناع القرار، لضمان أن تظل “مدينة الورد” دائماً ملاذاً للراحة والاستجمام، لا مصدراً للمعاناة والانتظار.

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.