(تأملات في زمن السرعة وفراغ القلوب )

(تأملات في زمن السرعة وفراغ القلوب )
بين صخب الحاضر ودفء الذاكرة، تمر بنا ومضات تأخذنا في رحلة عميقة لمقارنة ما كنا عليه وما أصبحت عليه من تفاصيل حياتنا.
يعكس هذا التأمل صراعاً صامتاً يعيشه الإنسان المعاصر؛ حيث الفارق الكبير بين بساطة الأمس التي كانت تمنح الأرواح سكينة وامتلاءً، وسرعة اليوم التي جلبت الرفاهية لكنها سلبت الطمأنينة.
في الماضي، كنا نسير ببطء، ومع ذلك نصل إلى بعضنا؛ كانت المسافات تقطعها القلوب المتقاربة، وكانت الخطوات الهادئة تمنح الوقت للتأمل وبناء العلاقات العميقة.
أما اليوم، وقد أصبحنا نملك أسرع الطرق، ولا نجد وقتاً للزيارة، فقد ألغت التكنولوجيا المسافات الجغرافية لكنها خلقت مسافات شعورية أعمق، وبات المتمكن من أدوات العصر الحديث أسرع وصولاً للأماكن وأبطأها وصولاً لقلوب الأحبة.
حين كان الانتظار عادةً جليلة، كنا ننتظر الأشياء طويلاً، فنشعر بقيمتها؛ كان الشغف يغذي الروح ويجعل للحصول على الشيء طعماً لا يُنسى.
على النقيض من ذلك، وقد أصبحنا نحصل عليها فوراً، ثم نملّ منها سريعاً في عالم الاستهلاك السريع، حيث أصبحت متعة الاقتناء مؤقتة وزائلة بفعل الوفرة المفرطة التي تقتل لهفة الاستحقاق وتجعل الأشياء تفقد بريقها بمجرد امتلاكها.
وتتجلى المفارقة الأكثر إيلاماً في حجم ما نملكه مقابل ما نشعر به؛ كنا نملك القليل، لكن أيامنا كانت ممتلئة بالرضا، والضحكات الصادقة، والدفء الإنساني البسيط الذي لا يحتاج إلى أثاث فاخر أو رصيد بنكي ليزدهر.
وفي المقابل، وقد أصبحنا نملك الكثير، لكننا نعيش متعبين كأن شيئاً مهمّاً ينقصنا؛ وهو تماماً ذلك السلام الداخلي والشعور الحقيقي بالحياة الذي تبدد وسط زحام المكتسبات المادية.
ربما حان الوقت لنعيد ضبط بوصلة حياتنا، ونتعلم كيف نبطئ قليلاً لنلحق بأرواحنا التي سبقتنا في زحمة اللاهثين خلف السرعة، لعلنا نستعيد شيئاً من بساطة الأمس ودفئه المفقود قبل أن تبتلعنا عجلة الأيام.
د. دخيل الله عيضه الحارثي
