أصحاب الأثر

زياد الحارثي قائد ظلمه التاريخ

زياد الحارثي قائد ظلمه التاريخ

مشعل الحارثي

وأنا مستغرق بالنبش في أضابير التاريخ وتسليط الأضواء على الكثير من النقاط المعتمة في ذاكرتنا المعرفية وسير الرجال والقادة الأفذاذ ، استوقفتني سيرة بطل وقائد عربي مسلم ظلمه التاريخ وتجاهله ولم ينصفه حق الانصاف ولم يأت المؤرخين على ذكر منجزه إلا على استحياء ، ومنهم الإمام الطبري الذي تحدث عن هذا الانجاز بعد مضي عام على هذه الواقعة ، وربما كان لوقوع هذا الحدث في فترة انتقالية بين نهاية حكم الأمويين وبداية حكم العباسيين أحد اسبابه.
أما ذلكم البطل فهو زياد بن صالح الحارثي القائد الذي قاد جيوش المسلمين في أول واخر مواجهة عسكرية مع الصين وما ترتب على هذه المواجهة من آثار ونتائج عديدة لازلنا والعالم بأسره ننعم بها حتى يومنا هذا.
وزياد بن صالح الحارثي هو أحد أمراء الدولة المروانية وأحد القادة الشجعان الموالين للدولة العباسية وتولى العديد من المناصب في كلا المرحلتين فقد استخلفه يزيد بن عمر بن هبيرة على إمارة الكوفة عام 127هـ ، ثم أصبح نائباً لوالي خرسان آنذاك أبي مسلم الخرساني ، وعندما ذهب أبو مسلم إلى مرو عام 134هـ استخلف زياد الحارثي على بلاد الصرد وبخارى ، وشارك في اخماد الكثير من الثورات التي قامت ضد الدولة العباسية .
وقد جاء ذكر هذا البطل المسلم مقترناً بحدث تاريخي بالغ الأهمية في اطار الفتوح الإسلامية لأسيا وبلاد ما وراء النهر والتي يقصد بها ما وراء نهر جيحون الذي يمثل الحد الفاصل بين الاقوام الناطقة بالفارسية والتركية ، ووقعت أحداث هذه المعركة التي عرفت بمعركة نهر (طلاس) في شهر ذو الحجة عام 133هـ – يونيو 751م في عصر الخليفة أبو جعفر المنصور الذي عندما رأى استغلال الصين للازمة التي كانت تعيشها الدولة الأموية في اخر عهدها وانشغالها بمقاومة الثورات وقيامها بإرسال حملة عسكرية استطاعت استرجاع بعض المدن المهمة التي فتحها المسلمون من قبل مثل مدينة كش والطالقان وتوكماك ووصولهم لتهديد مدينة كابل في افغانستان فاجتمع المنصور بقادته وشكل جيشاً بقيادة زياد الحارثي وجيش أبي مسلم الخرساني وانضم له حلفائهم من التبت والايغور والاتراك ، وقدر عدد جيش المسلمين ما بين (50 إلى 70) الفاً ، بينما الجيش الصيني ما بين (100 إلى 130) الفاً بقيادة (قاوتشيان تشي) في زمن الامبراطور (تانج) التي تعد من اقوى السلالات التي حكمت الصين ، واستمرت المعركة لعدة أيام بين كر وفر انتصر فيها المسلمون انتصاراً رائعاً واوقعوا هزيمة ساحقة بالجيش الصيني وتمزيقه وأسر عدد كبير منهم وسمحوا للقائد (قاو) بالعودة إلى بلاده بشرط دفع الجزية فوافق الإمبراطور الصيني على ذلك .
ولعل من أهم نتائج هذه المعركة ومكاسبها الكبيرة أنها انهت نفوذ الصين في اسيا الوسطى بعد سقوط (قيرغزستان) في ايدي المسلمين ، وانتشار الإسلام في بلاد ما وراء النهرين ، وخروج عدد من العلماء والفقهاء المسلمين المعروفين أمثال البخاري والترمذي وأبي حنيفة وغيرهم ، وقيام أول تحالف تركي عربي للمحاربة مع المسلمين وكانت نقطة تحول كبيرة في العلاقات الإسلامية التركية وإسلام الاتراك ، ووقوع عدد كبير من أمهر صناع الورق الصينيين في الآسر ونقلهم بعد ذلك إلى بغداد عاصمة الخلافة العباسية ومكثوا هناك عشر سنوات لتعليم صناع العرب والمسلمين اسرار صناعة الورق وتقنياته المختلفة التي كانت سراً غامضاً واحتكرت الصين آنذاك صناعته ، ثم انتقلت هذه الصناعة إلى العواصم العربية دمشق والقاهرة ثم الأندلس ومنها إلى أوروبا ، وقد ازدهرت هذه الصناعة وتطورت واصبحت تمثل احد ركائز الاقتصاد الإسلامي بعد أن انشأ هارون الرشيد أول مصنع للورق في عام 178هـ .
يقول المؤرخ الدانماركي (يوهانز بيدرسن) عن اثر هذا الفتح على صناعة وعالم الورق والكتب : صحيح أن الورق اخترع في الصين وليس في بلاد الإسلام، ولكن المسلمين استخدموا مواداً جديدة سهلت تصنيعه على نطاق واسع، وابتكروا في ذلك أساليب حديثة أيضا، وبفعل ذلك؛ حقق المسلمون مأثرة ذات مغزى حاسم وأهمية كبرى، ليس لتاريخ الكتب الإسلامية فحسب، بل لعالم الكتب كله.
لقد رسمت هذه المعركة ملامح العلاقة بين المسلمين والصين منذ ذلك التاريخ حيث استمرت العلاقات بين سلالة (تانج) والعباسيين وتحسنت بشكل كبير ، وأصبح هناك تجارة وتعاملات عديدة وساعد العباسيين هذه الاسرة في اخماد بعض الثورات التي قامت ضدهم ، وتنامت هذه العلاقات عبر العصور حتى اخذت في عصرنا الحاضر نمطاً جديداً من التعاون المثمر البناء لما يخدم المصالح المشتركة وحسن الجوار وتحقيق الامن والسلام على ربوع المنطقة .
رحم الله القائد البطل زياد الحارثي وكل قادة الإسلام والمسلمين الذين رفعوا راية الحق ونشروا كلمة التوحيد في كافة ارجاء المعمورة ، ووضعوا أسس التعاون الدولي في عصرنا الحديث .

كاتب رأي 

 

 

 

مشعل الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.