كُتاب الرأي

جدة وأول جمعية لرعاية ذوات الأكباد

جدة وأول جمعية لرعاية ذوات الأكباد

مشعل الحارثي

قبل أكثر من نصف قرن تسأل الأديب الراحل الأستاذ محمد حسن عواد رحمه الله وقال : لماذا نجد الأوربيين والأمريكان يهتمون بالرفق بالحيوان ويؤسسون لهذا الجمعيات ويعنون بها عناية فائقة تبهرالأخرين ، ولا نجد العرب أو الاسيويين والافريقيين يمنحون الحيوان كل هذه العناية ؟!! وبعد مضي كل تلك العقود على هذا التساؤل أعتقد ان السؤال مازال يلقي بظلاله حتى الآن على عالمنا العربي رغم كل ما بذلوه من جهود تعد ضئيلة ومتواضعة في هذا الجانب لأنهم لازالوا يعتبرون أن هذه الحقوق هامشية ولا تأتي ضمن الأولويات ومتطلبات الحياة المعاصرة .
وعندما طرح اديبنا الراحل محمد عواد ذلك التساؤل كان حينها أحد المنافحين عن الحق الرعائي لذوات الاكباد الحرار كما يسميه ويطالب برعاية الحق الواجب لهذا المخلوق كونه عالم قائم بذاته يلتقي مع عالم الإنسان في إرادة البقاء ، وأن الحيوان يعدل دائماً مع الإنسان أخيه الأرقى ويفي له ويخدمه ويحن إليه ويحرسه، وهي مسؤولية يبلغ بها المجد الإنساني ذروة العطف بين المخلوقات.
لقد استدعاني حديث شاعرنا العواد واهتمامه بهذا الجانب العودة للماضي والنبش في ذاكرة السنين والأيام فوجدت أن أول جمعية سعودية للرفق بالحيوان وفق الأسس التنظيمية الحديثة تأسست في شهر جمادى الأولى من عام 1388هـ بمدينة جدة ، وتم اختيار الأستاذ محمد أحمد الصحراوي الشهير بالمغربي رئيساً للجمعية باعتباره صاحب الفكرة ، كما تم تشكيل مجلس الإدارة للجمعية المكون من الأديب والشاعر المعروف طاهر زمخشري ، والأستاذ أحمد بايزيد ، والأستاذ أحمد صادق ، والمذيع المعروف عبدالرحمن يغمور، والشيخ سعيد باريان صاحب مكتبة الري بجدة ، والأستاذ حمد العيدي خبير الأسماك بجدة ، والمهندس محمد جميل فضل من وزارة المعارف، والشيخ ابن نامي والذي كان أول من أسس بجهد فردي حظيرة للرفق بالحيوان في المدينة المنورة قبل عشرين عاماً من تأسيس هذه الجمعية أي عام 1368هـ .
ودعماً وتشجيعاً لهذه الفكرة الإنسانية الراقية فقد تبرع الوجيه ورجل الأعمال حسن عباس الشربتلي بأفخم شقة في عمارته بجدة كمقر للجمعية ، كما تبرع التاجر عبدالله باروم بتمويل بناء الحضائر لتتولى رعاية الحيوانات وتوفير العلاج المجاني لها .
وبعد مضي عام على تأسيس هذه الجمعية اعيد تشكيل مجلس إدارتها وعقد أول اجتماع للمجلس الجديد بتاريخ 16 شعبان 1389هـ ونجد الأديب الأستاذ محمد حسن عواد من المبادرين للانخراط فيها بل ويترأس مجلس إدارتها مع مجموعة من الوجهاء والمثقفين حيث أوضح في مستهل عمله الهدف من إنشائها فقال : إنه يتلخص في شيء واحد وشامل وهو السعي في حدود الامكانيات وبقدر الجهد المستطاع في اعطاء فكرة خارج المملكة العربية السعودية عن مدى استعداد الشعب العربي السعودي والدولة السعودية كلها للتفاعل مع أنواع الرسالات السامية للإنسان الراقي المؤمن بالتنمية الاجتماعية المتطورة .
ويضيف العواد قائلاً : ومن المعلوم لديكم طبعاً أن شبه الجزيرة العربية كلها لم تتم فيه منذ فجر تاريخه حتى السنوات الأخيرة من القرن الحالي أية جمعية إنسانية تعنى بشئون الحيوان .
ولهذا ولحسن الحظ ومما يجب ان نفخر به لا..لأجل الفخر ، ولكن لتقرير الواقع وهو أن جمعيتنا هذه هي أول جمعية للرفق بالحيوان تأسست لا في المملكة العربية السعودية وحدها ، بل في الجزيرة العربية بأكملها ، ونحن إذ نتحدث عن هذه الجمعية بهذا الاعتزاز أننا نعرف طريقنا إلى التسامي الإنساني وإلى التفاعل الحضاري الاجتماعي مع العالم المتحضر ، ولعل من لغو القول أن نصرح بان فكرة الرفق والرحمة والعناية بالحيوان فكرة اسلامية سباقة ففي القران ، وفي الحديث ، وفي الشعر العربي نصوص صريحة مملؤة بالإهتمام بالحيوان .
وأشار العواد بأنه تجاوب مع الجمعية في هذه المرحلة عدد كبير من الجهات الرسمية منها وزارة العمل والشئون الاجتماعية، ووزارة الداخلية التي منحت ارضاً للجمعية لإقامة منشأتها عليها والشرطة وبلدية جدة وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدد من المواطنين وبعض الشركات التجارية المحلية والأجنبية وعدد من المؤسسات الخيرية .
ورغم كل تلك الاهتمامات والجهود المبكرة التي تعكس جوانب مضيئة من الحراك الاجتماعي المدني وظهور التنظيمات التطوعية الحرة ودور الأديب والمثقف التنويري ومساهمته الحقيقية في رفع درجة الوعي بالمجتمع وبث روح حب العطاء والعمل والمشاركة الايجابية إلا أن هذه البدايات لم يكتب لها الاستمرار وتوارت لزمن طويل ولأسباب غير معروفة حتى عادت للظهور في السنوات الأخيرة من عصرنا الراهن لتحقق تطلعات ورؤى شاعرنا العواد والمبادرين معه منذ ذلك الزمان فأخذ الإهتمام بالحيوان مساراً جديداً وبعداً أكثر ايجابية عندما لفتت المملكة انظار العالم إليها بما سنته من قوانين تشريعية صارمة وغرامات مالية كبيرة والتشهير لكل من يسيء للحيوانات ولا يرفق بها في وسائل الإعلام ، واعتبرت المملكة الدولة الأولى في دول مجلس التعاون الخليجي التي اقرت نظام الرفق بالحيوان .
وكم نحن بحاجة في حياتنا المعاصرة لقيام العديد من هذه الجمعيات ذات المساس بالحياة والأحياء وكل ما ينفع البشرية جمعاء ، وفي مختلف المجالات لتحقيق فكرة النماء الاجتماعي التعاوني،ولكي تظل بلادنا دوما وابدا جناح مرفرف في فضاءات المحبة والألفة والرحمة.

كاتب رأي 

 

 

 

 

مشعل الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.