الناس في محن الحياة معادن

الناس في محن الحياة معادن
مشعل الحارثي
كم تعلمنا من مسيرة الحياة الكثير من الدروس والعبر ، وأدركنا أنها محطات وممر لطريق لا يخلو من المحن والشدائد والعثرات، التي تختبر الإنسان على كافة المستويات، و تقودنا إلى طريق لا يمكننا أن نراه إلا بعد مرورنا بهذه المحن والأزمات، بل وتكشف لنا حقيقة بعض الأشخاص، فتظهر أمامنا وجوه جديدة لم نكن نعرفها من قبل رغم أنها حولنا وقريبة منا ، وصدق من قال أن الأزمات تكشف لكنها لا تفضح ، وتهدينا لرؤية الحقيقة ،وتميز من يستحق الثقة والصداقة والمرافقة في الطريق.
ورغم قسوة هذه الحقيقة والتي ربما تأتي متأخرة في احيان كثيرة ، إلا أنها تعلمنا الكثير من الدروس البالغة ،وتقودنا لكي نُراجع أنفسنا، وعلاقتنا بمن حولنا، فربما نكون نحن أيضاً قد خذلنا غيرنا دون قصد في أوقات سابقة،فنكون أكثر وعيًا، وحرصًا على الوفاء مع الأخرين وعدم خذلانهم ، وربما نكتشف أيضا في أنفسنا قوة لم نكن نعهدها من قبل ، وأننا لا نحتاج لمن خذلنا، ولدينا الثقة والقدرة على النهوض من جديد، بروح مختلفة ، وعينٍ تستطيع التميّيز بين الخبيث و الطيب.
لقد أخبرنا الحبيب المصطفىﷺ بأن الناس ، كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والمعادن جمع معدن، وهو موضع العدن، أي: الإقامة اللازمة، ومنه جنات عدن، والمعدن الشيء المستقر في الأرض، فتارة يكون نفيساً وتارة يكون غير ذلك ، وهكذا الناس فيهم من ترفعهم أقدارهم أو تضعها بحسب ما اشتملت عليه نفوسهم من أخلاق سامية وقيم فاضلة او عكس ذلك ، ويبقى صاحب الخلق القويم لا يتغير في صفته و لا في ذاته، ويظل كالجوهر الثمين لا تؤثر فيه الرياح ولا العواصف.
وعلمتنا الحياة أنه في أوقات الرخاء يتشابه الكثيرون ،وفي الشدائد والمحن يتباينون؛ فمنهم كالذهب يزداد لمعاناً ونقاءً، ومنهم كالمعادن التي يكسوها الصدأ، وقد قال ابن خلدون في ذلك : “الناس فى السكينة سواء فإن جاءت المحن تباينوا.
وكم شدةٍ كشفت معادن أهلها إن الشدائدَ للورى غربالُ! والتعامل هو الآخر يكشف الحقيقة ، فمن أراد معرفة الحقيقة كاملة فليتأمل في المواقف وليس في الوجوه فقط ،لأن حقيقة هذه المواقف كفيلة بأن تكشف المستور ، ويظهر لك الصديق الصادق الذي يقف بجانبك ويمد لك يده،، وذلك الذي يتوارى عن الأنظار ، ويُشيح عنك بوجه ، وهنا تبرز أصالة الإنسان في تعامله مع الضغوط، فنجد من يتحلى بالمروءة والصبر والأناة، ومن يهرب من أبسط الالتزامات وأمام اضعف الأزمات.
قال لقمان الحكيم : ثلاثة لا تعرف إلا بثلاثة ..لا تعرف الحكيم إلا عند الغضب و لا الشجاع إلا في الحرب و لا أخوك إلا عند الحاجة إليه “..ويقول الإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه :إذا وضعت أحدا فوق قدره فتوقع منه أن يضعك دون قدرك .
لقد علمتنا الحياة أن كل خسارة ليست شرًا، ولا كل محنة نقمة ، وأن الشدائد والمحن تُغربل الناس وليست مجرد أوقات ضعف أو فقدان، بل هي كالمرآة النقية التي تعكس لنا من نحن، ومن حولنا بكل وضوح، فلا تحزن وتبتئس حين ترى بعض الوجوه تتغيّر، ولا تندم حين يخذلك من وثقت به ، فهذه طبيعة الحياة ، وأحمد الله أن أزاح عنك قناعًا، وأهداك وعيًا ، فكم من أزمة تساوي ألف درس ، وكم من ضربة واحدة على المعدن، تُظهر صلابته أو هشاشته، وكذلك هم الناس في محن الحياة معادن .
كاتب رأي



