كُتاب الرأي

نحن وجيل زد ورهانات المستقبل

نحن وجيل زد ورهانات المستقبل

مشعل الحارثي

في مناسبة اجتماعية كان يقبع بجانبي أحد الأصدقاء وعندما أخذنا نتبادل أطراف الحديث ،ووجدته يبث لي بعضا من همومه وشكواه مما يعانيه مع أولاده من انشاغلهم الدائم بوسائل التواصل الحديثة حتى وكأنه أصبح ليس له وجود بينهم، وكأنه أتى إليهم من كوكب آخر ، بل الانكى من ذلك أن العدوى وصلت إلى أم أولاده التي هي الأخرى إنشغلت بالتواصل مع صديقاتها وبات لايناله من ودها إلا النذر اليسير .
فقلت ياصديقي هون عليك ولاتحزن وتكثر الشكوى فهذا هو زمانهم زمن (جيل زد – Gen Z ) فقال مندهشا :ومن هم هؤلاء ؟ فقلت : هم من يعرفون ياصديقي أيضاً بالزوومرز، وباسم (المواطنين الرقميين )، وهذه تسميات غربية لا شأن لنا بها ، إنما جيل زد هم أول جيل نشأ بالكامل في العصر الرقمي بين عامي 1997 و2012. ويقع زمنياً بعد “جيل الألفية” (جيل Y)، ويسبق “جيل ألفا”، وأول جيل “مولود-متصل”: تفتّحت أعينهم في زمن الهواتف الذكية وشبكات التواصل، وزمن التوك توك الذي انبثق عالميًا مابين عامي 2017–2018 ليكرّس ثقافة الفيديو القصير وصناعة المحتوى الفوري، فصارت المنصّات المصدر الأول للأخبار والهوية الثقافية والأدوار الاجتماعية، و اطّلع هذا الجيل منذ عمر صغير على العديد من الخلفيات الثقافية والعرقيةوالاجتماعية والاقتصادية.
أما السر في اختيارهم لمصطلح و حرف “Z” فهو علامة لغوية تحوّلت إلى مرآة ثقافية تعكس صراعات الأجيال، وتحولات السلطة، وتوترات الهوية، ولكون الحرف( z ) يأتي في الأبجدية اللاتينية في نهاية الترتيب، وهو ما يمنحه دلالة ضمنية على الاكتمال أو النهاية. لكن هذه النهاية ليست ختامًا ساكنًا، بل غالبًا ما تكون بداية لفوضى جديدة.
كما أن حرف“Z” استخدم ، من هذا الجيل كرمز للوعي، والتمرد، ولإعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة. وكأن “Z” في هذه اللحظة التاريخية يتحول من رمز للفناء إلى أداة للبعث، ومن نهاية الأبجدية إلى بداية سردية جديدة ،وخلال الحرب الروسية الأوكرانية، اتخد الحرف “Z” شكلًا أكثر تعقيدًا. فقد استخدم الجيش الروسي الحرف المذكور على مركباته العسكرية، وربطه البعض بكلمة “زينيت” الروسية، التي تعني “الذروة”، في إشارة إلى الطموح الإمبراطوري .
وأفراد هذا الجيل يتميزون بمجموعة من الخصائص والمواصفات بخلاف غيرهم من الأجيال فهم يتعاملون مع التكنولوجيا بسلاسة وكأنها امتداد طبيعي لحياتهم.
ومن أكثر الأجيال تنوعًا من حيث الخلفيات الثقافية والعرقية، ويؤمنون بالشمولية والعدالة الاجتماعية ،
ويهتمون بالقضايا العالمية، والصحة النفسية ،كما أن لديهم قدرة عالية على التكيف مع التغيرات السريعة في التكنولوجيا والمجتمع ويفضلون الرسائل النصية، والتطبيقات على المكالمات الهاتفية أو اللقاءات التقليدية ، وهم على عكس جيل الألفية، أكثر واقعية وأقل مثالية في نظرتهم للحياة والعمل ، ويميلون إلى البحث عن الاستقرار المالي أكثر من الشغف الوظيفي، ويُفضلون الوظائف التي توفر دخلاً ثابتًا حتى لو لم تكن “وظيفة الأحلام .
وقاطعني صديقي قائلا إذا كان هذا هو واقع الأجيال الحالية والقادمة الا تتفق معي أن الافراط في هذه الوسائل مع ايجابيتها يشكل تحديات وتاثيرا سلبيا على القدرات الطبيعية والفطرية وذكاء الإنسان .
قلت له بالطبع ياصديقي فالدلائل العلمية والدراسات تشير إلى شيء أدق يستحق التأمل، وهو أنه في عدة دول، ظهرت منذ التسعينيات وبدايات الألفية إشارات إلى تراجع نتائج اختبارات “القدرات المعرفية”، مثل اختبارات الذكاء، بالتوازي مع تدهور ملحوظ في التحصيل الدراسي، وبشكل خاص معدلات القراءة وتعلم الرياضيات والعلوم.
وخلصت عشرات الدراسات إلى وجود ارتباط سلبي ثابت إحصائيا بين كثافة استخدام هذه الأدوات وبين الأداء الطبيعي للإنسان ، وبمعنى مبسط أن قطاعا من المراهقين اليوم، في المتوسط، صار أضعف في القراءة التي تتطلب فهما واستنتاجا، وأقل تمكنا من رياضيات المدرسة التي تترجم إلى حل المشكلات،و هذا لا يبرر وحده تعميم مقولة إن “الذكاء انخفض”، لكنه يمنح أساسا علميا قويا للقول إن مهارات معرفية وتعليمية محورية ومهمة جدا، شهدت تراجعا واضحا.
قال صديقي إذا هل نستسلم ونقف مكتوفي الأيدي أمام ذلك ؟ قلت : هذا هو الواقع ولكن علينا الأخذ ببعض التوصيات التي يرى فيها المختصين بأنها ستحقق شيئا من التوازن كضبط بيئة الهاتف للمراهقين، خصوصا ليلا، لأن النوم والانتباه هما البنية التحتية للذاكرة والتعلم. وتطبيق مثل المهام البسيطة مثل ترك الهاتف خارج غرفة النوم، وتقليل الإشعارات، وإبعاد الهاتف أثناء الطعام أو ممارسة الرياضة أو الجلسة اليومية مع الأهل، وتحديد ساعات ثابتة للحديث او النوم، والتي غالبا ربما تصنع فرقا أكبر مما نتخيل في القدرة على التركيز والتحصيل لدى الأبناء، وكان الله في عون من بقي من جيل الأباء والأجداد.

كاتب رأي 

 

مشعل الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.