لا تنتقم من فضائلك عندما تتعرض للانكسار

لا تنتقم من فضائلك عندما تتعرض للانكسار
تمر بالشخص أيام يشعر فيها أن الحياة أعادت ترتيب خصائصه من الداخل. وجوه كانت عنوانًا للطمأنينة ثم أصبحت ذكرى، ووعود حملت عبير الأمل ثم تفرقت مع أول اختبار، وأيدٍ امتدت يومًا بالمودة ثم انكمشت عند أول منعطف. في تلك اللحظات لا يكون السؤال عن حجم الألم، فالألم حقيقة يعرفها الجميع، وإنما يكون السؤال عن مصير القيم التي سكنت القلب سنوات طويلة. هنا تبدأ المعركة التي لا يراها أحد؛ معركة الفرد مع نفسه، مع المبادئ التي ربّى عليها روحه، ومع الفضائل التي صنعت هويته.
فما من جرحٍ يملك القدرة على سرقة نقاء القلب، حتى يفتح له صاحبه الباب. وما من خذلانٍ يستطيع إعادة تشكيل الأخلاق، حتى يجد نفسًا تُسلِّم له زمامها. كل ما يحدث خارج الإنسان يظل حدثًا، أما ما يحدث داخله فهو الذي يصنع صورته، ويرسم ملامحه، ويحدد القيمة التي يحملها بين الناس، العنوان عميق بعض الشيء لكنه سوف يكشف عن ملامحه مع كل فقرة حتى يغدو في النهاية أقرب إلى الحقيقة منه إلى مجرد عنوان.
المثير في الموضوع أن الانكسار لا يبدأ عند سقوط الدموع، بيد أنه يبدأ عند تراجع أول فضيلة ، وأول مبدأ يتنازل عن مكانه، وأول خلقٍ يغادر القلب تحت ضغط المرارة. هناك تتغير الموازين، وتصبح الخسارة أعمق من سببها، نظرًا لأنالشخص لم يعد يحمل الألم وحده، وإنما حمل معه نسخةً أخرى من نفسه، نسخةً لم يعرفها من قبل، ولم يكن يتمنى أن يلتقي بها.
تلك هي الحيلة التي يجيدها الألم؛ فهو نادرًا ما يكتفي بإيلام القلب، وإنما يحاول أن يقنع صاحبه بأن القسوة دليل نضج، وأن الجفاء عنوان كرامة، وأن الشدة لغة تفرض الاحترام. ومع كل اقتناع جديد، تنطفئ فضيلة، حتى يغدو المرء غريبًا عن صورته الأولى، ويظن أنه أصبح أكثر قوة، مع أن القوة غادرت قلبه منذ اللحظة التي سمح فيها للمرارة أن تتحدث باسمه.
كم من شخص خرج من تجربة قاسية، فلم يخسر الأشخاص وحدهم، وإنما خسر رقته، وخسر عذوبة منطقه، وخسر ثقته، وخسر سعة صدره. ظن أنه يعاقب من آذاه، فإذا به يصدر حكمًا قاسيًا على أجمل ما كان يملكه. فالفضائل لا تؤلم صاحبها، ذلك لأنه يؤلمها أن تُستبدل بما يناقضها.
النفوس الكبيرة تدرك أن الأخلاق لا تُفصَّل على مقاس الناس، ولا تتبدل بتبدل الوجوه. الصدق يبقى صدقًا، والوفاء يبقى وفاءً، والرحمة تبقى رحمةً، سواء وجد من يقدرها أم جهل قيمتها. فالفضيلة لا تستمد مكانتها من تصفيق الآخرين، وإنما تستمد عظمتها من رسوخها في الضمير، ومن قدرتها على الثبات كلما اشتدت أسباب التخلي عنها.
تأمل أولئك الذين احتفظوا بسمو أخلاقهم بعد التجاربالقاسية ؛ لم تكن قلوبهم أقل إحساسًا، وجراحهم لم تكنأخف وقعًا، غير أن بصيرتهم أدركت أن الكرامة لا تحتاج إلى تصلب، وأن الحكمة لا ترتدي ثوب الانتقام، وأن القلب الشريف يضع الحدود بثبات، ثم يمضي محتفظًا بصفائه، فلا يسمح للإساءة أن تنسخ أخلاقه، ولا يهب خصومه سلطة العبث بجوهره.
كل فضيلة تغادر القلب تترك مكانها فراغًا، وذلك الفراغ لا تملؤه القسوة، ولا يملؤه الغضب، ولا يغمره التشفي. يظل يتسع حتى يشعر الإنسان أن شيئًا عزيزًا قد غاب عنه، فيبحث عنه بين الوجوه، مع أن موضعه كان في أعماقه منذ البداية.
ولهذا، فإن أعظم صور الثبات لا تتمثل في احتمال الأذى،الأدق من ذلك يكون في حماية النبل من التآكل، وصيانة الرحمة من الجفاف، وحراسة الضمير من أن يساوم على قيمته. فالأخلاق التي تصمد أمام الإغراء عظيمة، والأخلاق التي تصمد أمام الانكسار أعظم شأنًا وأرفع مقامًا.
عندما تتعرض للانكسار، لا تنظر إلى مقدار ما فقدت، وانظر إلى مقدار ما بقي فيك. فإن بقي الصدق، وبقي الوفاء، وبقي الحياء، وبقي الإحسان، فقد بقيت أنت. أما إذا رحلت الفضائل، فلن يعوضها انتصار، ولن يردها اعتذار، ولن يمنحها أي مكسب مكانتها الأولى.
والحق فيما أقوله في آخر منعطف : أن الفرد يُعرف بما يحافظ عليه ساعة تتزاحم دوافع السقوط، وتُقاس قامته بما يرفض التفريط فيه عندما تدعوه المرارة إلى التبدل. وهناك، عند تلك اللحظة الفاصلة، يولد المعنى الحقيقي للنبل؛ نبلٌ يخرج من قلبٍ عرف الانكسار، ثم آثر أن يبقى وفيًّا لفضائله، لأن الفضائل هوية، والهوية لا تُباع تحت ضغط الألم، ولا تُستبدل مهما بلغ الوجع.
علي بن عيضة المالكي
كاتب رأي
