كُتاب الرأي

الناس مرايا أخلاقهم

الناس مرايا أخلاقهم

لا تعني هذه العبارة أن الناس يعكسون أخلاق الآخرين، وإنما تعني أن الإنسان يكشف أخلاقه هو كلما تحدث عن غيره. فالكلمة لا تخرج مجرد وصف لشخص آخر، غير أنهاتحمل معها طريقة التفكير، ودرجة الإنصاف، وسعة الأفق، ومستوى الوعي، ومقدار التهذيب الذي استقر في نفس قائلها. ولهذا يتحول المديح إلى شاهد على نبالة صاحبه حين يصدر عن إنصاف، ويتحول الذم إلى شاهد على ضيق الأفق حين تقوده الأهواء وتغذيه الضغائن.

فالإنسان ينظر إلى العالم من خلال عدسة صاغتها تربيته، وتجربته، وثقافته، ومصالحه، ومخاوفه، وطموحاته. وكلما أصدر حكمًا على أحد، انعكست تلك العدسة في كلماته، كما ينعكس لون الزجاج على الضوء المار خلاله. ولهذا تتعدد الأحكام على الشخص الواحد، مع ثبات صفاته، لأن الاختلاف يبدأ من الناظر قبل أن يصل إلى المنظور إليه.

وعندما نصف الناس بأنهم مرايا أخلاقهم، فإننا نقرر أن اللسان يحمل توقيع القلب، وأن الرأي يكشف عن صاحبه بقدر ما يتناول غيره. فمن اعتاد العدل، ظهرت العدالة في أوصافه، ومن ألف الوفاء، حضرت المروءة في أحكامه، ومن استسلم للحسد أو التعصب، تسرب ذلك إلى عباراته مهما اجتهد في إخفائه.

ومن هنا تصبح مراقبة حديث الإنسان عن الآخرين طريقًا لقراءة شخصيته؛ لأن الأخلاق لا تكتفي بالظهور في المواقف الكبرى، بل تتجلى في أبسط التعليقات، وفي طريقة الثناء، وفي أسلوب الاعتراض، وفي اللغة التي يختارها عند الاختلاف. فالناس، في نهاية الأمر، يكتبون سيرتهم بألسنتهم، ويتركون بصماتهم في كل حكم يصدر عنهم، ولهذا كانت العبارة صادقة في معناها: الناس مرايا أخلاقهم.

إن الأحكام تولد في أعماق الإنسان قبل أن تصل إلى لسانه، ولهذا تحمل الكلمات بصمة صاحبها أكثر مما تحمل صورة من وُجِّهت إليه. فالمرء لا يرى الأشياء كما هي على الدوام، كما تشكلت في وعيه، وكما صاغتها تجاربه، وأعادت صياغتها قناعاته، ثم جاءت اللغة لتمنح تلك الرؤية صوتًا يسمعه الآخرون. ومن هنا جاءت الحكمة التي تقول: «وجدنا رجلين؛ أحدهما يمدحك، والآخر يذمك، فأيهما أصدق؟ فقال: كلاهما صادق؛ فالطيب أكرمناه فمدحنا، وصاحب السوء تجاهلناه فذمنا.» فالإجابة لا تبحث عن ترجيح المادح على الذام، ولا تنحاز إلى أحدهما، وتكشف أن الإنسان يوزع شيئًا من أخلاقه كلما تحدث، وأن الكلمة كثيرًا ما تكون نافذة تطل على قائلها قبل أن تصل إلى المقصود بها.

الحياة لا تعرض الحقائق في ثوب واحد، فهي أشبه بمرآة واسعة، يقف الناس أمامها، فيرى كل واحد منها الصورة التي تسمح بها روحه. وقد يمر المئات بالحالة ذاتها، فتتولد مئات القراءات، مع أن اللوحة بقيت ثابتًة في مكانها. هنا يبرز السؤال الفلسفي القديم: أين تكمن الحقيقة؟ في الحدث ذاته، أم في العين التي تتأمله؟ والإجابة تقود إلى أن الإنسان يقرأ العالم بأدواته الداخلية؛ فالعقل ينتقي، والذاكرة تستحضر، والعاطفة تلوّن، ثم تمضي الكلمة تحمل خلاصة تلك الرحلة الخفية.

الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور رأى أن الإنسان لا يدرك من العالم سوى القدر الذي تسمح به بنيته العقلية والنفسية، ولهذا كتب: “كل إنسان يتخذ حدود مجال رؤيته حدودًا للعالم.” وفي هذه العبارة تفسير بالغ العمق لاختلاف الأحكام بين البشر. فالاختلاف لا ينشأ دائمًا من تغير الحقيقة، بل من اختلاف الزاوية التي ينظر منها كل إنسان إليها. فالعين لا تنقل المشهد مجردًا، وإنما يمر أولًا عبر الذاكرة، والمصلحة، والتجربة، والعاطفة، ثم يخرج في صورة رأي يظنه صاحبه حقيقة كاملة.

وتتلاقى هذه الرؤية مع ما توصل إليه علم النفس الحديث، حين تحدث كارل يونغ عن ميل الإنسان إلى إسقاط ما يختزنه في أعماقه على الآخرين. فالقلق يبحث عن القلق، والشك يقرأ الوقائع بعين الشك، وصاحب الطمأنينة يفسر المواقف بقدر أكبر من الاتزان. ومن هنا تتباين الأحكام على الشخص نفسه؛ لأن مصدرها لم يكن الشخص وحده، بل النفوس التي أصدرتها. ولهذا كثيرًا ما تكشف الجملة الواحدة عن شخصية قائلها أكثر مما تكشف عن شخصية من وُجهت إليه.

وتؤكد التجارب الاجتماعية هذه الحقيقة في كل يوم. فقد يدخل شخصان إلى المجلس نفسه، ويخرجان بانطباعين متناقضين. يرى أحدهما الكرم في وجوه الحاضرين، بينما لا يرى الآخر سوى التكلف. ويحضر موظفان الاجتماع ذاته، فيتحدث أحدهما عن روح التعاون، ويتحدث الآخر عن الصراع والمنافسة. المكان واحد، والأشخاص أنفسهم، والوقائع لم تتغير، غير أن العدسة التي قرأت المشهد كانت مختلفة، ولهذا اختلفت النتائج.

ولهذا اكتسبت الأحكام البشرية طابعها المتقلب عبر التاريخ.أعني هنا أن سقراط وقف في ساحة أثينا متهمًا بإفساد عقول الشباب، ثم ارتفع اسمه حتى صار أحد الآباء المؤسسين للفكر الفلسفي. وجاليليو حمل تلسكوبه نحو السماء، فواجه مقاومة عنيفة، ثم جاءت الأجيال اللاحقة تتلقى أفكاره بوصفها خطوة فارقة في تاريخ العلم. وفنسنت فان غوخ عاش على هامش مجتمعه، ثم تحولت لوحاته إلى كنوز تتسابق عليها المتاحف. الأشخاص حافظوا على جوهرهم، بينما تبدلت نظرة البشر إليهم، فكأن الزمن لم يغير أصحاب الفكرة، بل وسّع أفق الناظرين إليها.

ويمضي الموقف نفسه في تفاصيل الحياة اليومية. يدخل موظف إلى مقر عمله حاملاً الكفاءة ذاتها، فيجد قائدًا يوقظ طاقته بكلمة تقدير، ويجد آخر يحاصر جهده بسيل من الارتياب. ويجلس طالب بين زملائه، فيكشف معلمه بذور التميز في عقله، ثم تمر عين أخرى فوق البذور ذاتها فلا ترى سوى تراب الأرض. المنظر واحد، والاختلاف يبدأ من الداخل، حيث تتشكل الرؤية قبل أن تتحرك العبارة، وحيث يرسم الضمير حدود الكلمة قبل أن ينطق بها اللسان.

ولهذا تغدو الكلمات وثائق أخلاقية أكثر من كونها أوصافًا للآخرين. فكل مديح يخرج من قلب كريم يحمل معه قيمة الوفاء، وكل ذم يصدر عن نفس ضاقت بالإنصاف يكشف مقدار ما اختزنته من خصومة. والإنسان، مهما أتقن اختيار مفرداته، يترك بين السطور أثرًا يدل عليه، كما تترك الخطوات بصمتها على الشاطئ، وكما يحمل العطر دلالة صاحبه قبل أن تقع عليه الأبصار.

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي

 

 

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.