في التربية: أن تعرف متى تتكلم

في التربية: أن تعرف متى تتكلم
لعل ما يميز الإنسان عن غيره من المخلوقات أن زرع الله فيه عقلاً قابلاً للمرونة والتعلم المستمر ، فعقب خمسة وعشرين عامًا في الميدان التربوي، بين الفصول الدراسية، والاجتماعات، واللقاءات، والمحاضرات، والمؤتمرات الدولية ، والندوات ، وورش العمل والمواقف الاجتماعية التي لا تُنسى، خرجت بقناعة راسخة أن كثيرًا من المشكلات لم تبدأ بسوء القصد، فقد بدأت بكلمة قيلت في غير وقتها، أو بحوار غابت عنه مهارة الإنصات، أو بردة فعل سبقت الفهم.
وشاهدت في المقابل مواقف كانت مهيأة للتصعيد، ثم انتهت بالمودة والاحترام، لأن أحد الأطراف أحسن الاستماع، واختار الكلمة الهادئة، ومنح الحقيقة فرصة لتظهر قبل أن يصدر حكمه.
وتعلمت من تلك السنوات أن التربية لا تصنعها كثرة التوجيهات، وإنما تصنعها القدوة، والعدل، والإنصاف، واحترام الإنسان، صغيرًا كان أو كبيرًا. فالكلمة التي تخرج من قلب صادق تجد طريقها إلى القلوب، وتبقى آثارها زمنًا طويلًا، وقد تغيّر حياة إنسان دون أن يشعر قائلها بعظيم ما صنع.
كما أنه خلال سنوات عملي في الميدان التربوي، أيقنت أن كثيرًا من المشكلات لم تبدأ كما أسلفت بسوء النيات، فقد بدأت بكلمة لم تُحسن اختيار وقتها، أو بعبارة قيلت على عجل، أو بحوار افتقد إلى الإنصات. ورأيت في المقابل مواقف معقدة انتهت بهدوء، لأن أحد الأطراف امتلك شجاعة الاستماع قبل الحديث، واختار الحكمة قبل رد الفعل.
كما أتيحت لي فرص للقاء معلمين، وقادة مدارس، وطلاب، وأولياء أمور، وجمهور يراقب ما أقوله على خشبة المسرح فوجدت أن أنجح البيئات التربوية لم تكن تلك التي يكثر فيها الكلام، وإنما تلك التي يحضر فيها الاحترام، ويشعر كل إنسان أن رأيه مسموع، وأن كرامته محفوظة، وأن الاختلاف لا ينقص من قدره شيئًا.
وخلال مشاركتي في عدد من اللقاءات والبرامج التدريبية، لفت انتباهي أن المهارات الفنية في الحوار يمكن اكتسابها في ساعات، أما تهذيب النفس، وضبط الانفعال، وحسن اختيار الكلمة، فتحتاج إلى تربية مستمرة، وممارسة واعية، ومحاسبة صادقة للنفس بعد كل حوار.
عزيزي القارئ يقع عليك مسؤولية جسيمة حين ترغب في المناقشة وتلك المسؤولية تكمن في اختيار نوع الكلمة وتوقيتها معًا.
إنّ الكلمة من أعظم وسائل التربية، فقد ترفع إنسانًا إلى أعلى مراتب الثقة والطمأنينة، وربما تهدم نفسًا بكلمة قيلت في لحظة غضب أو اندفاع. لذلك لم تكن التربية يومًا تعليمًا للكلام وكفى، فقد كانت مدرسة للحكمة التي تسبق الكلمة، وللعقل الذي يزن العبارات قبل خروجها، وللقلب الذي يدرك أثرها بعد وصولها.
في مقابل ذلك يعرف المربون أن نجاح الحوار لا يقاس بعدد الكلمات، فقد ينطق الإنسان بجملة قصيرة تغير مسار علاقة كاملة، وقد يطيل الحديث فلا يضيف إلى الموقف سوى مزيد من التوتر. ولهذا كانت قيمة الحوار في أثره، لا في طوله، وفي حكمته، لا في ارتفاع الصوت.
وإذا تأملنا واقع كثير من المجالس واللقاءات وجدنا أن الخلل لا يعود إلى اختلاف الآراء، فاختلاف العقول سنة من سنن الحياة، وإنما يعود إلى ضعف ثقافة الحوار، وقلة الإنصات، والتعجل في إصدار الأحكام. يدخل بعض الناس النقاش وفي ذهنه جواب أعده مسبقًا، فلا يسمع الرأي الآخر كما ينبغي، ويخرج الجميع وقد ازدادت المسافات بينهم، وضاعت الفكرة التي اجتمعوا من أجلها.
لقد رسم القرآن الكريم منهجًا خالدًا في بناء الحوار فجعلحسن الكلمة قال تعالى: (( وقولوا للناس حسنا)) نعم جعل جمال الكلمة خلقًا يسبق أي نقاش.
ثم جاءت السنة النبوية لتجسد هذا المنهج في أروع صوره. فعندما بال الأعرابي في المسجد، همَّ بعض الصحابة بالإنكار عليه، فوجههم الرسول الكريم إلى الرفق، ثم علَّم الرجل بهدوء ورحمة حتى اقتنع، وانصرف وقد حمل درسًا بقي أثره في نفسه. ذلك الموقف يبين أن التربية تحقق أعظم نتائجها عندما تقودها الحكمة، ويغلفها حسن الخلق.
أيضا ينبغي أن تبدأ هذه المعاني داخل الأسرة، فهي المكان الذي يتعلم فيه الطفل أول درس في الحوار. فالوالدان اللذان يمنحان أبناءهما فرصة التعبير، ويصححان الأخطاء بهدوء، ويستمعان قبل إصدار الأحكام، يغرسان في نفوسهم الثقة والاتزان. أما الأوامر المتتابعة، والصوت المرتفع، والمقاطعة المستمرة، فتورث العناد، وتغلق أبواب التفاهم.
ثم ينتقل هذا الأثر إلى المدرسة، حيث يصنع المعلم القدوة بيئة يتعلم فيها الطالب أن الاختلاف لا يفسد الاحترام، وأن قوة الرأي تنبع من الحجة والأدب، وأن الاعتراف بالخطأ فضيلة ترفع صاحبها. فالتعليم يغرس المعرفة، والحوار الراقي يصنع الشخصية.
وفي بيئة العمل تبرز قيمة الكلمة مرة أخرى. فالقائد الذي يحسن الاستماع يكسب ثقة فريقه، ويجمع القلوب حول هدف واحد، ويحول الاختلاف إلى فرصة للتطوير. وعلى الجانب الآخر قد تهدم عبارة قاسية سنوات من التعاون، وتزرع الإحباط في نفوس العاملين، فيضعف العطاء، وتفتر الهمم.
أما في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبحت الكلمة تسافر إلى آلاف الناس في لحظات. ولهذا ازدادت الحاجة إلى التثبت، والتروي، وحسن اختيار العبارات. فكم من تعليق متعجل أشعل خصومة واسعة، وكم من كلمة طيبة أصلحت سوء فهم، وجمعت بين قلوب كادت تتباعد.
وتؤكد الحياة هذه المعاني كل يوم. معلم احتوى طالبًا كثير الخطأ بالحوار الهادئ، فأصبح ذلك الطالب من المتميزين. ومدير استمع إلى موظف قبل محاسبته، فاكتشف أن الحقيقة تختلف عما نُقل إليه، فحفظ عدله وثقة فريقه. وأب آثر الإنصات لابنه قبل إصدار حكمه، فأنقذ علاقة كانالغضب كفيلًا بإفسادها.
فكم من أسرة تفككت بسبب كلمة، وكم من صداقة انتهت بسبب حوار افتقد الاحترام، وكم من فرصة ضاعت لأن أحد الأطراف لم يمنح الآخر حقه في الحديث.
آخر منعطف:
التربية الحقيقية تصنع إنسانًا يعرف أن لكل كلمة وزنًا، ولكل موقف أسلوبًا، ولكل حوار هدفًا. فمن أحسن اختيار كلماته، وأتقن فن الإنصات، واحترم من يخالفه، امتلك مفاتيح التأثير في الناس، وكسب احترامهم قبل أن يكسب موافقتهم.
وفيها لا تكمن الحكمة في كثرة الحديث، وإنما في أن تعرف متى تتكلم، ومتى تنصت، وكيف تجعل من كلماتك بابًا للفهم، وجسرًا للمحبة، وأثرًا يبقى في النفوس طويلًا بعد أن ينتهي الحوار.

