كُتاب الرأي

أخطر أنواع الخداع هو ما يشبه الحقيقة

أخطر أنواع الخداع هو ما يشبه الحقيقة

يأتي الخداع العاطفي والنفسي غالبًا بصورة غير واضحة (نادرًا ما يقف المخادع أمامك معلنًا نواياه الحقيقية) فيرتديثوب الاهتمام، ويتحدث بلغة المحبة، ويستخدم كلمات تبدو منطقية ومقنعة. ولهذا السبب يصبح اكتشافه أكثر صعوبة، لأن المشكلة لا تكمن في الكذب الظاهر، ولكن في الحقائق الجزئية التي يتم استخدامها لإخفاء الحقيقة الكاملة.

إن أول علامة تكشف هذا النوع من الخداع هي شعورك المستمر بالارتباك. فالشخص الصادق قد تختلف معه، وقد يغضب منك، وقد يواجهك بحقيقة لا تعجبك، لكنك في النهاية تدرك موقعك من العلاقة. أما المتلاعب نفسيًا فيجعلك دائمًا في حالة تساؤل: هل أنا المخطئ؟ هل فهمت الموقف بشكل صحيح؟ هل أبالغ في رد فعلي؟ ومع مرور الوقت تبدأ ثقتك بأحكامك الشخصية في التراجع، وتصبح أكثر اعتمادًا على تفسيره للأحداث من اعتمادك على رؤيتك الخاصة.

ومن أخطر أساليب التلاعب أن يستخدم الشخص جزءًا من الحقيقة ليقودك إلى نتيجة تخدم مصلحته. فقد يذكرك بخطأ ارتكبته فعلاً، ثم يبني عليه أحكامًا لا تستند إلى الإنصاف. وقد يقدم لك معروفًا حقيقيًا، ثم يحوله إلى وسيلة للسيطرة عليك. وقد يظهر اهتمامًا صادقًا في بعض المواقف، ثم يستثمر ذلك الاهتمام لتبرير سلوك مؤذٍ في مواقف أخرى.

في تصوري أن الإنسان لا يقع ضحية الخداع بسبب نقص الذكاء، وإنما بسبب حاجته العاطفية. عندما يبحث عن التقدير أو القبول أو الشعور بالأمان، قد يتغاضى عن إشارات واضحة كان سيدركها لو نظر إليها بعين أكثر هدوءًا. ولهذا فإن أول وسائل الحماية تبدأ من عدم اتخاذ القرارات المهمة تحت تأثير المشاعر القوية. فالعاطفة حين تبلغ ذروتها قد تحجب التفاصيل التي يحتاجها العقل للوصول إلى حكم متزن.

كما وأعتقد أن من أهم وسائل اكتشاف الحقيقة مراقبة الأفعال أكثر من الكلمات. فالكلمات تستطيع أن ترتدي أي صورة، أما السلوك فهو اللغة التي يصعب تزويرها على المدى الطويل. فإذا وجدت أن الوعود كثيرة والالتزام قليل، وأن الاعتذارات تتكرر بينما الأخطاء نفسها تعود، وأن الاحترام يظهر عند الحاجة ويختفي عند الاختلاف، فهذه إشارات تستحق التأمل.

ومن الحكمة أيضًا أن يحتفظ الإنسان بحقه في التساؤل. فالحقيقة لا تخشى الأسئلة، ولا تنزعج من التحقق، ولا تحتاج إلى فرض نفسها بالقوة. أما التلاعب فيضيق بالنقاش، ويشعر بالتهديد كلما اقترب أحد من اختبار الرواية أو مراجعة التفاصيل.

ومن العلامات المهمة أن تراقب أثر العلاقة على نفسك. فالعلاقات الصحية تمنح قدرًا من الطمأنينة حتى في أوقات الخلاف، بينما العلاقات القائمة على التلاعب تترك خلفها شعورًا دائمًا بالإرهاق والاستنزاف والحيرة. وإذا وجدت نفسك تخرج من الحوارات مثقلًا بالشكوك أو محملًا بذنب لا تعرف مصدره، فهذه رسالة تستحق الانتباه.

ولأن الإنسان قد لا يرى الصورة كاملة وهو داخل الموقف، فإن الاستماع إلى رأي شخص متزن وموضوعي يساعد أحيانًا على اكتشاف زوايا لم تكن واضحة. فالعقل المنفرد قد يقع تحت تأثير المشاعر، أما الرؤية الهادئة من الخارج فقد تكشف ما غاب عن الانتباه.

كما أن بناء الحدود الشخصية يعد من أقوى وسائل الحماية. فالحدود ليست قسوة، هي قطعًا وضوح في معرفة ما تقبله وما ترفضه، وما ينسجم مع قيمك وما يتعارض معها. وكلما كانت حدودك واضحة، أصبح من الصعب على الآخرين استنزافك أو دفعك إلى ما لا ترغب فيه.

ومن الضروري أن يتعلم الإنسان الفصل بين الشعور والحقيقة. فقد تشعر بالذنب دون أن تكون مخطئًا، وقد تشعر بالمسؤولية عن مشكلة لم تتسبب فيها.

طبعًا المشاعر مهمة لفهم الذات، لكنها لا تكفي وحدها لإصدار الأحكام. لذلك فإن العودة إلى الوقائع ومراجعة الأحداث كما حدثت فعلاً تمنح رؤية أكثر توازنًا.

إن الحقيقة تمنح الإنسان وضوحًا حتى عندما تكون مؤلمة، أما التلاعب فيتركه عالقًا بين الشك والارتباك.

علينا أن ندرك هذا جيدًا ، بأن الحقيقة توسع مساحة الفهم، أما الخداع فيضيقها. وأنها(أقصد الحقيقة ) تحترم العقل، أما التلاعب فيسعى إلى السيطرة عليه.

لذلك فإن أفضل وسيلة لحماية النفس ليست الشك في الجميع، وإنما تنمية الوعي. الوعي الذي يجعلك تراقب توافق القول مع الفعل، وتثق بملاحظاتك المتكررة، وتحافظ على استقلالية تفكيرك، وترفض أن تتخلى عن حقك في السؤال والتحقق.

آخر الكلام: إنّ النضج الحقيقي لا يتمثل في القدرة على كشف الآخرين فحسب، ولكن في القدرة على حماية الذات من كل ما يحاول أن يغير رؤيتها للحقيقة. فحين يمتلك الإنسان وعيه، ويعرف قيمته، ويحترم حدوده، يصبح أكثر قدرة على رؤية الأشياء كما هي، لا كما يريد الآخرون أن يراها. عندها يفقد الخداع أخطر أسلحته، ولن يكون بعدها قادرًا على التنكر في هيئة الحقيقة.

علي بن عيضة المالكي – كاتب رأي

 

علي بن عيضة المالكي

كاتب رأي وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.