كُتاب الرأي

الشرق الأوسط… خرائط تُرسم بصمت

الشرق الأوسط… خرائط تُرسم بصمت

من احتواء إيران… إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط

منذ أشهر، وأنا أكرر فكرة قد تبدو للبعض مبالغًا فيها، وهي أن ما يجري في المنطقة ليس سلسلة أحداث متفرقة، بل مشروع واحد يتغير شكله مع كل مرحلة.

ولهذا، لم أتعامل مع المفاوضات الأمريكية الإيرانية باعتبارها طريقًا إلى السلام، ولم أتعامل مع الضربات العسكرية باعتبارها نهاية للصراع، كما أنني لم أقرأ بيانات التهدئة بوصفها نهاية للأزمة.

كنت أقرأ شيئًا آخر…

كنت أقرأ التحول في قواعد اللعبة.

عندما كتبت «الشيطان الإيراني هو التفاصيل»، قلت إن المشكلة ليست في الاتفاق أو عدم الاتفاق، بل في التفاصيل التي تُدار بها الأزمة، لأن التفاصيل هي التي تحدد اتجاه التاريخ، لا البيانات الرسمية.

ثم كتبت «حوار الطرشان» لأنني رأيت أن واشنطن وطهران لم تعودا تتفاوضان للوصول إلى حل، بل لتأجيل لحظة المواجهة، بينما كان كل طرف يشتري الوقت بطريقته الخاصة.

وبعدها جاءت الحرب.

فكتبت «إيران بعد الحرب»، وقلت إن من يظن أن الضربات العسكرية وحدها ستُنتج شرقًا أوسط جديدًا، يقرأ المشهد بعين تكتيكية، بينما ما يجري في الحقيقة هو إعادة ترتيب موازين القوى، لا مجرد تبادل للنيران.

ثم جاءت مقالتي «بعد السماء… الأرض!»، لأقول إن الحرب الحديثة لم تعد تستهدف السماء فقط، بل أصبحت تستهدف الاقتصاد والطاقة والممرات التجارية وسلاسل الإمداد، لأن السيطرة على حركة العالم أصبحت أهم من السيطرة على قطعة أرض.

واليوم…

تأتي التحذيرات الأمريكية لرعاياها في الشرق الأوسط.

قد يراها البعض إجراءً احترازيًا.

لكنها، في تقديري، تحمل دلالة أعمق.

فالولايات المتحدة لا تستعد لحادثة أمنية معزولة، بل تستعد لمرحلة قد تصبح فيها المنطقة أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر عرضة لسلسلة من الأحداث المتشابكة.

وهنا يجب أن نطرح السؤال الذي لم يطرحه كثيرون:

هل لا تزال إيران هي الهدف؟

أم أن الهدف الحقيقي أصبح إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية للشرق الأوسط بأكمله؟

عندما ننظر إلى ما حدث خلال العامين الماضيين، نلاحظ أن الضغوط لم تعد تتركز على الملف النووي فقط.

بل امتدت إلى أمن البحر الأحمر، ومضيق هرمز، والطاقة، وسلاسل الإمداد، والتحالفات الإقليمية، والدفاعات الجوية المشتركة، والتقنيات العسكرية، وحتى الاقتصاد.

وهذا يعني أن القضية لم تعد “إيران” بوصفها دولة.

بل أصبحت شكل النظام الإقليمي الذي سيخرج بعد انتهاء الأزمة.

وهنا تكمن النقطة التي قد يغفل عنها كثيرون.

فالولايات المتحدة، في ظل إدارة ترامب، لا تبدو منشغلة بإسقاط الأنظمة بقدر انشغالها بإعادة رسم البيئة التي تتحرك فيها تلك الأنظمة.

إنها سياسة تقوم على فرض وقائع جديدة، بحيث تجد الدول نفسها مضطرة إلى التكيف معها.

ولذلك، فإن السؤال لم يعد:

هل ستقع ضربة جديدة؟

بل:

أي شرق أوسط يجري تصميمه بعد هذه الضربات؟

ولهذا أقول إن التحذيرات الأخيرة ليست أهم ما في المشهد.

بل هي انعكاس لشيء أكبر.

انعكاس لمرحلة تنتقل فيها المنطقة من إدارة الأزمات إلى إعادة هندسة التوازنات.

فإذا كانت مقالات الأمس تتحدث عن التفاصيل…

فإن تفاصيل اليوم أصبحت تصنع خريطة الغد.

ولهذا، فإن أخطر ما قد نواجهه ليس صاروخًا جديدًا…

ولا بيانًا سياسيًا…

بل أن نستيقظ بعد أشهر لنكتشف أن الشرق الأوسط الذي عرفناه لم يعد موجودًا، وأن التغيير لم يحدث بضربة واحدة، بل بمجموعة خطوات بدت في وقتها صغيرة… ثم اتضح أنها كانت ترسم مستقبل المنطقة بأكملها.

ولهذا، فإن السؤال الذي أتركه للقارئ ليس:

هل نحن على أعتاب تصعيد؟

بل:

هل أصبح التصعيد نفسه أداة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وليس مجرد نتيجة لخلافات الشرق الأوسط؟

لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تفسر ما حدث… وما يحدث… وما قد يحدث لاحقًا.

بقلم: مهندس صالح المرزم
1 أغسطس 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.