صندوق القتل

صندوق القتل
عزل الحوثة وقطع شرايين الإمداد
رؤية تحليلية .
السبت الموافق ( 19 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( حين تتوكل الجيوش على الله، وتثبت في الميدان، وتحسن استخدام قوتها، فإن امتداد الخصم قد يتحول من مصدر قوة إلى عبء يستهلكه من الداخل . )
تدور رحى المعارك في اليمن على أكثر من جبهة، فيما تشير تطورات الميدان إلى استمرار القتال في كهبوب والوازعية ومأرب؛ بما يجعل تعدد محاور المواجهة عاملا مؤثرا في قدرة القوات الحوثية على توزيع قواتها واحتياطها وإدامة انتشارها.
وهنا تبرز أهمية استدامة الضغط العملياتي؛ فتعدد الجبهات يرفع متطلبات توزيع القوات والاحتياط والذخائر ووسائط الإسناد، وقد يحول اتساع الانتشار من مكسب ميداني إلى عبء عملياتي يصعب إدامته.
وفي قلب هذه المعادلة يأتي صندوق القتل ( Kill Box )؛ وهو في المفهوم العسكري حيز محدد تتكامل داخله وسائل الاستطلاع والمراقبة والنيران ضمن منظومة القيادة والسيطرة ( Command and Control )، بما يزيد الضغط على الحركة والإمداد، ويؤثر في الذيل الإداري ( Logistics Tail ) الذي تعتمد عليه القوة في إدامة الوقود والذخيرة وقطع الغيار وسائر الاحتياجات اللوجستية.
وهنا بيت القصيد: إحكام العزل العملياتي على المجاميع الحوثية. فكلما تعثرت خطوط الإمداد والإسناد المتبادل، ازدادت عزلة تلك المجاميع عن بعضها، وتراجعت قدرتها على الحركة والمناورة وإعادة التموين. ومع اشتداد العزل تتقلص حرية المناورة والإدامة، وتتزايد احتمالات الانسحاب أو فقدان القدرة على مواصلة القتال أو الاستسلام.
ويزداد عامل الوقت أهمية حول باب المندب. فقد أفادت تقارير صحفية حديثة، نقلا عن مصادر من داخل جماعة الحوثي، بوجود تحركات مرتبطة بدراسة تركيب رادارات وأعمال تحصين وأنفاق في المنطقة؛ وهي معلومات ينبغي الفصل فيها بين ما نقلته المصادر وبين ما ثبت تشغيله ميدانيا بالفعل.
وإذا ثبتت هذه التحركات واتسعت، فقد تسهم في تحويل بعض الانتشار من وجود ميداني إلى مواقع أكثر تحصينا، وربط وسائل الاستطلاع والإنذار بمنظومات القيادة والسيطرة.
والمبادأة هنا ليست في كثرة الضربات وحدها، بل في منع الخصم من امتلاك الوقت الذي يحتاجه لتحويل انتشاره إلى تحصين، وتحويل تحصينه إلى قدرة مستدامة.
وفي كهبوب تحديدا تبرز أهمية المرتفعات المشرفة على باب المندب؛ فالأرض الحاكمة وخطوط الحركة والإمداد عناصر مترابطة في تقدير الموقف، وكلما اتسع مسرح القتال ازدادت متطلبات الاحتياط والإدامة.
أما القوة الجوية والمسيّرات والاستطلاع، فتتعاظم قيمتها حين تتكامل مع القوات البرية؛ فالنيران تستنزف، والاستطلاع يكشف الحركة، والأرض الحاكمة تمنح الأفضلية، والقوات على الأرض تستثمر النتائج وتستعيد المبادأة.
أما قطع شرايين الإمداد، فجوهره عزل المجاميع عن ( الذيل الإداري ) وإضعاف قدرتها على الإدامة. فحين تتعثر الذخيرة والوقود والتعزيزات، وتضعف الصلة بين القوة ومصادر إسنادها، يتحول الانتشار الواسع إلى عبء، وتتآكل حرية المناورة والقدرة على الصمود والاحتفاظ بالأرض.
فالمعركة ليست على الأرض وحدها؛ بل على قدرة القوة على البقاء فوقها. ومن يعزل عن إمداده ويفقد حرية المناورة والإسناد، تتآكل قدرته على القتال مهما بلغ حجم انتشاره.
إنها معركة إرادة وثبات؛ والتوكل على الله يقترن بالأخذ بالأسباب، واستدامة الجهد، ووحدة الصف، والشجاعة في الميدان. فإذا اجتمعت العزيمة مع حسن إدارة القوة، أصبح الضغط استنزافا، والاستنزاف إنهاكا، والإنهاك طريقا إلى انكسار إرادة القتال.
قال الله تعالى في محكم التنزيل الكريم:
﴿ سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ ﴾
سورة القمر / الآية الكريمة رقم ( 45 ) .

