باب المندب المعركة التي لا تحتمل الخسارة

باب المندب المعركة التي لا تحتمل الخسارة
رؤية تحليلية .
الجمعة الموافق ( 11 ) سبتمبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد /عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
{ بعض المواقع يمكن خسارتها ثم استعادتها أما الممرات الاستراتيجية فإن ترك الخصم يثبت أقدامه عند بواباتها قد يغير حسابات الحرب كلها . }
دخلت معركة الساحل الغربي اليمني مرحلة أكثر خطورة بعد سيطرة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة على المخا وامتداد تقدمها إلى ذو باب ووصولها إلى جزيرة ميون داخل مضيق باب المندب . ولم يعد المتغير الأهم مساحة الأرض التي تغيرت السيطرة عليها وإنما انتقال مركز الثقل جنوبا حتى أصبح القتال على الساحل مرتبطا مباشرة بأحد أهم المواقع الاستراتيجية اليمنية .
ومع خطورة هذا التحول فإن الوصول إلى المواقع لا يعني القدرة على الاحتفاظ بها ولا يعني أن نتيجة المعركة قد حسمت . فالحوثيون أصبحوا أمام تحدي تثبيت انتشار سريع وواسع بينما تقف القوات المسلحة اليمنية التابعة للحكومة الشرعية أمام اختبار إعادة تنظيم القوة ووقف الاندفاع واستعادة المبادأة ومنع المكاسب الجديدة من التحول إلى واقع ميداني دائم .
أولا: من المخا إلى باب المندب… تغير طبيعة المعركة .
1 ـ قيمة الأرض تغيرت .
الكيلومتر القريب من باب المندب لا يساوي في الحساب العسكري كيلومترا في عمق الجبهة . فالمخا وذو باب وميون تشكل سلسلة جغرافية ترتفع قيمتها كلما اقتربت من المضيق .
ومن هنا لم تعد القضية مجرد فقدان مدينة أو موقع وإنما أصبحت مرتبطة بمن يملك القدرة على تثبيت وجوده على الساحل والمحافظة عليه ومن يستطيع استعادة حرية الحركة والمبادأة .
2 ـ الوصول لا يعني القدرة على البقاء .
كل تقدم يضيف إلى القوة المهاجمة أرضا لكنه يضيف إليها في الوقت نفسه التزامات تتعلق بالحماية والإمداد والاتصالات والاحتياط والقدرة على الاحتفاظ بالمواقع .
ولهذا فإن اتساع الانتشار الحوثي قد يتحول من عنصر قوة إلى عنصر استنزاف إذا استعادت القوات المسلحة اليمنية تماسكها ومنعت تثبيت المكاسب الجديدة .
ثانيا: ذو باب وميون… مركز الثقل الجديد .
1 ـ ذو باب رفعت قيمة المعركة .
السيطرة على ذو باب تختلف عسكريا عن السيطرة على موقع داخلي لأنها تقع مباشرة عند باب المندب وتواجه جزيرة ميون .
والسؤال العسكري الآن لم يعد إلى أين وصل الحوثيون بل أصبح: هل يستطيعون الاحتفاظ بما وصلوا إليه وتحويل التقدم السريع إلى سيطرة قابلة للاستمرار؟
وهذا هو الفارق بين كسب الأرض وكسب المعركة .
2 ـ ميون… الجغرافيا داخل المضيق .
الوصول الحوثي إلى جزيرة ميون يرفع مستوى الخطر لأنها تقع داخل باب المندب وتقسم ممراته البحرية . لكن الوصول إليها لا يعني أن المعركة انتهت أو أن الحوثيين أصبحوا قادرين على تثبيت وضعهم فيها إلى أجل غير محدد .
والتقدير العسكري الرصين لا يقلل من مكسب الخصم ولكنه لا يحول مكسبا ميدانيا إلى نتيجة نهائية قبل أن يقول الميدان كلمته .
ثالثا: التمدد الحوثي… عندما يحمل المكسب نقطة ضعفه .
1 ـ اتساع الانتشار يرفع كلفة الاحتفاظ به .
كلما اتسعت الأرض التي يتعين على الحوثيين حمايتها ازدادت حاجتهم إلى القوات والإمداد والاحتياط . وتزداد أهمية هذه المعادلة مع استمرار جبهات مأرب وتعز والضالع وغيرها بما يفرض توزيع جزء من القدرات وعدم تركيزها في الساحل وحده .
ولا يمكن الجزم بأن الحوثيين بلغوا ذروة تمددهم لكن السؤال المشروع هو مدى قدرتهم على المحافظة على هذا الانتشار إذا استعادت القوات الشرعية تماسكها ومبادأتها .
2 ـ سرعة التقدم قد تصبح عبئا .
التقدم السريع يمنح صاحبه زخما نفسيا وميدانيا لكنه يطيل في الوقت نفسه مساحة الأرض التي يتعين عليه تأمينها . وكلما امتدت القوة بعيدا عن مناطق تمركزها الأساسية أصبحت قدرتها على المحافظة على التوازن بين التقدم والحماية أكثر أهمية .
ومن هنا تظهر إحدى نقاط التحول المحتملة: قد تصبح كلفة الاحتفاظ بالمكسب أكبر من كلفة الوصول إليه .
رابعا: القوات المسلحة اليمنية… المبادأة قبل الأرض .
1 ـ وحدة الجهد تضاعف القوة .
ما حدث لا يضع شجاعة المقاتل اليمني موضع السؤال . والقضية من منظور عسكري هي قدرة التشكيلات التابعة للحكومة الشرعية على تحويل ما تملكه من قوة وخبرة إلى جهد أكثر تماسكا وتنسيقا .
فالجيوش لا تستعيد توازنها بكثرة الوحدات وحدها وإنما بتماسك القيادة والقرار والمحافظة على القوة والقدرة على الانتقال من امتصاص الاختراق إلى استعادة المبادأة .
2 ـ المبادأة هي الهدف الأهم .
المعركة القادمة ليست مجرد استعادة المخا وذو باب وميون موقعا بعد آخر وإنما استعادة المبادأة؛ لأن الجيش الذي يستعيد المبادأة يستطيع أن يستعيد الأرض أما الجيش الذي يستعيد الأرض دون أن يستعيد المبادأة فقد يجد نفسه يقاتل المعركة نفسها مرة أخرى .
وهنا تكمن إحدى الفرص المهمة أمام القوات المسلحة اليمنية الباسلة . فما فقد في جولة سريعة لا يعني تثبيت نتيجة الحرب إذا أعيد تنظيم الموقف واستعيدت القدرة على التأثير في اتجاه المعركة .
خامسا: تعدد الجبهات… الضغط الذي لا يظهر على خريطة الساحل .
1 ـ مأرب وتعز والضالع ليست جبهات منفصلة .
قد تبدو جبهات مأرب وتعز والضالع بعيدة عن باب المندب جغرافيا لكنها في الحساب العملياتي جزء من المعادلة نفسها؛ لأن القوة التي تضطر إلى توزيع وحداتها واحتياطها ووسائل إسنادها على أكثر من اتجاه تقل قدرتها على تركيز كامل ثقلها في اتجاه واحد .
ولهذا فإن استمرار تماسك القوات الحكومية في تلك الجبهات يكتسب قيمة تتجاوز حدود كل جبهة منفردة .
2 ـ المعركة شبكة مترابطة .
النجاح في حرب متعددة الجبهات لا يقاس فقط بما يحدث في الاتجاه الأكثر سخونة وإنما بقدرة كل جبهة على أداء دورها في المعادلة العامة .
وقد تصبح جبهة لا تحقق تقدما واسعا عاملا مهما إذا أجبرت الخصم على الاحتفاظ بقوة كان يستطيع نقلها إلى جبهة أخرى .
سادسا: إعادة التنظيم… من امتصاص الصدمة إلى استعادة التوازن .
تكتسب التحركات المعلنة لإعادة تنظيم القوات الحكومية والاستعداد لاستعادة المناطق التي فقدتها أهمية خاصة بعد التطورات الأخيرة . لكنها تظل في هذه المرحلة مؤشرا على النية والاستعداد ولا يجوز تحويلها إلى نتيجة قبل أن تظهر آثارها في الميدان .
ومن زاوية عسكرية فإن القيمة الحقيقية لإعادة التنظيم لن تقاس بحجم التصريحات وإنما بقدرتها على تحقيق ثلاثة آثار عامة: تماسك القوة ومنع المزيد من التراجع واستعادة حرية المبادأة .
وهذه المرحلة قد تكون أهم من محاولة تحقيق نتيجة سريعة؛ لأن إعادة بناء الموقف بصورة متماسكة تستطيع أن تهيئ الظروف لتغيير اتجاه المعركة لاحقا .
سابعا: العملية المضادة… هل تبدأ مرحلة استعادة المبادأة؟
ما أعلن عن استعداد القوات المسلحة اليمنية التابعة للحكومة الشرعية لاستعادة المناطق التي فقدتها يفتح مرحلة جديدة من الصراع على الساحل . ولا يمكن الجزم مسبقا بنتائج أي عملية قبل وقوعها لكن مجرد الانتقال من إعادة التنظيم إلى الاستعداد للعمل المضاد يعني أن خريطة السيطرة الحالية ليست بالضرورة الخريطة النهائية .
والتحدي الحقيقي ليس تحقيق حركة عكسية مؤقتة وإنما استعادة القدرة على فرض اتجاه المعركة . فإذا تحقق ذلك يمكن أن يتغير معنى المكاسب الحوثية نفسها من تقدم مفتوح إلى انتشار يتطلب جهدا متزايدا للمحافظة عليه .
ثامنا: الاستنتاجات العسكرية والاستراتيجية .
1 ـ حققت عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة مكاسب ميدانية مهمة على الساحل الغربي لكن الحرب لم تحسم .
2 ـ المخا وذو باب وميون رفعت القيمة العسكرية للمواجهة ورفعت معها متطلبات المحافظة على المكاسب الجديدة .
3 ـ اتساع الانتشار الحوثي قد يتحول إلى نقطة ضغط إذا تزامن مع استعادة القوات الحكومية تماسكها ومبادأتها .
4 ـ تعدد جبهات مأرب وتعز والضالع والساحل يمنع قراءة كل جبهة بمعزل عن الأخرى .
5 ـ استعادة المبادأة أهم من استعادة موقع منفرد لأنها تعيد للقوات المسلحة اليمنية القدرة على التأثير في اتجاه الحرب .
6 ـ إعادة التنظيم الحالية تمثل فرصة لكنها لا تصبح تحولا ميدانيا إلا عندما تظهر نتائجها على الأرض .
7 ـ الوصول الحوثي إلى باب المندب يرفع قيمة مكاسبه لكنه يرفع في الوقت نفسه حجم الالتزامات التي يتعين عليه تحملها للمحافظة عليها .
8 ـ الميدان اليمني ما زال مفتوحا والنتيجة النهائية لم تقل كلمتها بعد .
تاسعا: الخلاصة الاستراتيجية .
المخا كانت إنذارا وذو باب رفعت مستوى الخطر والوصول إلى ميون نقل مركز الثقل الميداني إلى تخوم الجغرافيا الاستراتيجية للمضيق . لكن السيطرة على الأرض لا تعني القدرة على الاحتفاظ بها إلى ما لا نهاية وخريطة يوم واحد لا تصلح حكما نهائيا على حرب طويلة .
والمرحلة المقبلة قد تختبر قدرة الحوثيين على تثبيت انتشارهم بقدر ما تختبر قدرة القوات المسلحة اليمنية على استعادة المبادأة . وهنا تصبح وحدة الجهد وتماسك الجبهات وإعادة تنظيم القوة عناصر أكثر أهمية من رد الفعل السريع؛ لأن المعركة التي تغير مسار الحرب ليست دائما المعركة التي تستعيد أول موقع وإنما التي تعيد للقوة قدرتها على اختيار اتجاهها وفرض إرادتها الميدانية .
والتفاؤل بالنصر كبير بإذن الله . فالقوات المسلحة اليمنية الباسلة لم تقل كلمتها الأخيرة وما فقد في جولة يمكن استعادته في جولة أخرى . واليمن يملك رجالا خبروا سنوات الحرب والصمود ويملك عمقا شعبيا وقبليا يمكن أن يكون سندا للدولة الشرعية في مسعاها لاستعادة الأرض ودحر عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة وإعادة سلطة الدولة على ترابها الوطني .
والميدان لا يمنح النصر لمن يتقدم أولا وإنما لمن يحافظ على إرادته ويستعيد المبادأة ويصبر حتى تتحول القوة إلى نتيجة . وإذا توحدت القيادة والجهد والإرادة فإن ما يبدو اليوم تقدما حوثيا قد يصبح غدا بداية انحساره بإذن الله . والثقة بالله كبيرة والنصر مأمول وما دام الجيش اليمني قادرا على إعادة تنظيم صفوفه وما دامت إرادة استعادة الأرض حاضرة فإن باب النصر يظل مفتوحا بعون الله وقدرته .
يقول الله تعالى في محكم التنزيل الكريم :
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ .
سورة الأنفال ، الآية الكريمة رقم ( 10 ) .
كاتب رأي


