كُتاب الرأي

سأصبح قائدًا للتفكير العميق يومًا من الأيام

سأصبح قائدًا للتفكير العميق يومًا من الأيام

عبدالله معدي الخشرمي

كان ديفي فوغارتي طفلًا أستراليًا عندما قال في إذاعة المدرسة: سأكون مليارديرًا يومًا من الأيام. فضحك منه الجميع، وعندما عاد إلى منزله ضحك منه أهله، فبحث عن عشرة منتجات ووجدها في الصين، واتصل بالمورد في الوقت الذي كان ينشئ فيه موقعًا إلكترونيًا لها. فشلت تسعة منتجات، ونجح منتج واحد فقط، وكانت المنتجات الفاشلة سببًا في اكتشافه المنتج الناجح والتركيز عليه حتى أصبح ديفي الملياردير الأسترالي.

في هذا المقال، سأضع نفسي على الطريق، وأكتب للجميع: سأصبح قائدًا للتفكير العميق يومًا من الأيام. سأطور نفسي، وأفكر تفكيرًا عميقًا لمدة لا تقل عن أسبوع أو شهر أو عام أو عشرة أعوام؛ فالتفكير العميق يجب أن يكون أبديًا دون توقف، وسأزرع الفكرة في عقلي الباطن حتى تكون تحركاتي اليومية مغذية لطريقي نحو التفكير العميق بوضوح ونقاء وصفاء. وسأبحث عمن يساعدني من خلال خبرته، وسأضع عمري البيولوجي والتزاماتي القسرية تجاه أسرتي في مأمن داخل تفكيري العميق حتى لا تكون هناك أي مخاطرة.

لن أؤمن بمقولة أن الفرص تأتي لبعض الناس ولا تأتي لغيرهم. سأرفع قيمة كل من أواجهه من الناس، باعتبار أن لديه قيمة عظيمة يسعى إليها في تفكيره العميق لتغيّر حياته، وأنه إنسان يطور نفسه باستمرار. وسأحاول بلوغ النضج الفكري حتى أصل إلى مرحلة التمييز في علاقاتي بين الفائدة والضوضاء، وأركز على مهارات من شأنها أن تبني لي علاقات حقيقية، ليست للبحث عن واسطة، وإنما علاقات تمنحني خبرة أكبر في وقت أقل. وسأخبر المستشارين والأصدقاء والمقربين بما أحتاج إليه، وأدع الخبراء يعرفون ما لا أجيده وما لا أستطيع فعله حتى يمنحوني خبراتهم.

ولتحقيق ذلك، يجب عليّ أن أصنع لنفسي سمعة حقيقية تجعل الناس يرشحونني فيما أجيده. لن أنتظر الكمال ولن أبحث عنه، وسأحاول أن أتحرك دائمًا وأخطو نحو الطريق الذي أريده حتى لو لم أكن جاهزًا. لن أتوقف عن التفكير العميق، وإنما سأعيد التفكير مرارًا وتكرارًا، وأراجع قناعاتي القديمة وإمكاناتي الكامنة حتى تختصر لي المسافة التي أحتاج إلى قطعها في المجال والعلاقات والظهور بصفتي ناجحًا جديدًا على الساحة. لن أركض بسرعة في الطريق الخطأ، وسأسير بثبات وثقة؛ فالكثير من الطرق في الأصل طرق وهمية لن ينجح فيها أحد ولن يربح منها، لكن المثابرة هي الرهان الحقيقي لاختصار المسافة التي ستضعني في مكاني المناسب.

لطالما كانت الهبة الإنسانية الحقيقية التي أوجدها الرب جل في علاه في كل البشر أن الإنسان ليس كائنًا مثاليًا كالملائكة، فلماذا يضغط المرء على نفسه ويراقب أقرانه ما دام لديه الشجاعة والهشاشة؟ فالهشاشة ليست ضعفًا، والضعف هو الاعتقاد بأنك لست بحاجة إلى أحد، وأن تتظاهر بأنك صلب فلا تطلب المساعدة من مختص أو مستشار. الجبل لا يحتاج إلى جبل مثله، والبحر لا يحتاج إلى بحر مثله، والشجرة لا تحتاج إلى شجرة مثلها، لكن الإنسان يحتاج إلى الإنسان. جميعنا خُلقنا لنمرض ونَصِحّ، ونجهل ونتعلم، ونسقط وننهض، ونستيقظ وننام.

لكي أتقدم، يجب أن أعترف لنفسي أولًا بأن هناك أشياء لا أعرفها، ويجب أن أتعلمها أو أطلب المساعدة من الخبراء والمختصين؛ فمعظم مشكلات الناس سببها عدم طلب المساعدة المتخصصة. لطالما كانت الاستشارة أقوى أدوات العمالقة والعظماء، فلا قيمة للإنسان إذا لم يأوِ إلى ركن رشيد وقبيلة من الخبراء والمرشدين والمختصين. وسأسأل نفسي كلما رأيت قائدًا عظيمًا: ما عقلية هذا الشخص العظيم، ما دام أنه في الماضي لم يمتلك أي مقومات، وكانت الظروف التي عاشها لا تساعده؟ ما عقليته؟ فلا توجد حياة سهلة خالية من الظروف على الإطلاق.

يجب أن أتغير وأتحول من عقلية أجير إلى عقلية قائد عبر عدة مراحل وخطوات. والخطوة الأولى هي التركيز على الأهم في جميع الأشياء؛ فهناك إشارة، وهناك ضوضاء وإزعاج، ويجب عليّ اتباع الإشارة التي توحي بأن هناك فرصة ما، حتى لو كانت فرصة تحتاج إلى مهارة جديدة أو تطوير مهارات قديمة. لكن الضوضاء تعطل وتشغل ولا تفيد، لذلك يجب عليّ الاعتماد على الأشياء المفيدة، وتعلمها بسرعة، وتجربتها باستمرار، والدخول إلى عالمها، والتجربة والتغيير المستمر للحصول على نتائج أسرع من الآخرين.

في المقابل، لن أجعل العمل يبتلع حياتي. سأكلف غيري ممن هو مستعد للقيام بمهامي غير المهمة، أو التي لا تبني لي المهارات التي أحتاج إليها؛ فأعظم منجز يمكنني الحفاظ عليه هو وقتي، بأن يكون ملكي، وليس ملك العمل والمشقة. فأي إنسان يتأمل سياق الحياة المتسارع يرى غياب الهدوء، ولو لنصف ساعة يتأمل فيها حياته. الإنسان بحاجة إلى التفكير العميق والجلوس والتأمل دون وضع مهام أثناء التأمل، أو استحضار السلبية وحرمان التفكير من الخير والتفاؤل والسعادة.

ما دام المستقبل مجهولًا للجميع، والله وحده يعلم الغيب، وله حكمة في عدم إطلاعنا عليه، فسأتوكل عليه وأبدأ من الآن ولن أقلق. ومن لديه قلق يجب أن يستحضر قوة الآن، أو قوة الوقت الحالي. كل الذين يعيشون القلق ينقلون عدوى قلق زائف، ونحن كمؤمنين يجب أن نهزم القلق؛ فالله معنا، ولن يستجيب لمن لا يتوكل عليه ويسأله من فضله. القلق وباء معدٍ، ومن يلتفت إلى الماضي ولا يتجاوز صدماته ويصنع صحوته بنفسه يزداد مرضًا. لذلك، سأحمي تفكيري العميق من القلق، وأنظر في كيفية تكوين نسختي الأفضل لتغيير نفسي ومحيطي. ربما يكون الغيب مؤلمًا، ويجب عليّ أن أقود التفكير العميق من الآن.

كاتب رأي

 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.