كُتاب الرأي

حين يصبح الغزو ضرورة

حين يصبح الغزو ضرورة

الشنفرى انموذجًا

عبدالله بن معدي الخشرمي

وضع العرب في الجاهلية أخلاقيات للغزو عند شح الموارد أو عند الدفاع عن الكرامة أو الثأر أو تأمين الجوار ،ووضعوا له ضوابطًا وأعرافًا من يخرقها يرتكب عارًا ويسمى خِرق لأنه خَرق الأعراف ،كأن يكون الغزو سرًا وغدرًا دون إعلان وإنذار ،وأن يكون في وقت الحاجة والفاقة وتردي الأحول لا لجمع الثروات ،وأن لا يكون في الأشهر الحرم حماية للمقدسات والحجاج والتجارة ،وأن لا يمس المستضعفين من النساء والأطفال وكبار السن والعجزة ،أو أن يكون لتأمين المستجير ،وخصصوا للقائد المرباع (ربع الغنائم) والصفية (ما يصطفيه القائد لنفسه) والنشيطة (ما يصيبه الغزاة في طريقهم قبل الوصول إلى مقصدهم) والفضول (ما يبقى من الغنيمة ولا يقبل القسمة لصغره أو لقلته) .

كان الغزو يعتمد على سلب الأقوات فقط ،وأحيانًا الأموال قدر حاجة الفرد دون ارتكاب جناية في الأرواح أو الممتلكات ،ويعتمد على الإعلان والإنذار للتجرد من الغدر عند بعض الشرفاء ،على أن غلة الغزو توزع ولا تجمع لبناء الثروة ،حتى أن الغزاة إذا وجدوا مقاومة لا يتمادون في أخذ قوتهم بالقوة بل ينسحبون ويتراجعون حقنًا للدماء ،ولكن في ليلة نحس دعس وقتل الشنفرى في القوم وأخذ قوته بالقوة ولكن بعد نبأةً قوية وإعلانًا مبرحًا وإنذارً خاطفًا ،ومع ذلك أعتبروه جناية وخرق لسفكه الدماء ،ولو أننا وضعنا جميع الأمم أمام مصطلح الصعلكة اليوم لوجدنا جميع الأمم صعاليك أمام ميزان الصعلكة ، فالحربين العالميتين الأولى والثانية صعلكة، وغزوات الجاهلية صعلكة ،والحملات الصليبية صعلكة ،وخروقات الحنشل صعلكة.

الشنفرى في لامية العرب وصف الغزو الذي يرتكب إحدى هذه الجنايات بالذأم وقال :(ولولا اجتناب الذأم لم يلفى مشربًا يعاش به إلا لدي ومأكلُ) بمعنى لولا أنني اجتنبت خروقات الغزو “الذأم” لن يجنوا ثروات ،ولن يوفّروا أقوات ولن يجدوا مأكلًا ولا مشربًا يعاشون به إلا لدي ،(لكن نفسًا مرة لا تقيم بي على الذأم إلاّ ريثما أتحول) ،نفسه الضعيفة أمام فطرتها وجبلّتها مفطورة على طلب المأكل والمشرب قصدًا للبقاء على قيد الحياة ،لذلك أضطر إلى الغزو الشريف في حدود سد حاجتها حتى إذا أغتنى أستعفف.

كان الشنفرى يصف الغزو الخارق للأعراف والضوابط بالجناية ويتمرد عليه إلّا في سبيل ما يسد الجوع ويستر الحال وفاقة القحط والجوع والحاجة ،وذكر في لاميته أنه ينسحب بسريته إذا وجد مقاومة حقنًا للدماء فقال (أو الخشرم المبعوث حثحث دبره محابيض أرساها سامٍ معسّلُ) والمحابيض هي أشتار العسل التي يدفع بها صاحب العسل النحل والدبابير عن الخلية ،يفعل ذلك برغم أنه القائد الذي يحق له أخذ المرباع والصفية من الغنائم ،لكنه يمتدح نفسه بأنه يوزع ولا يجمع ،ويقدم المحتاج على نفسه عند الأكل والشرب وإن مدّت الأيدي إلى الزاد لم يكن بأعجلهم لعدة أسباب من أهمها أن أفراد سريته شيب الوجوه أي أن في وجوههم الشيب ليسوا مراهقين ،وكان الأفضل المتفضل عليهم ،لكنه في ليلة نحس يصطلي القوس ربها وأقطعه اللاتي بها يتنبل خرق الضوابط والأعراف بارتكاب جناية أيم نسوانًا فيه وأيتم فيها إلدّةً لرجال من كبار رجالات الجاهلية ،وانكشف سرّه وانفضح أمره بين القبائل ،واجتمعت الأحلاف تتشاور في من يجيره 14 شهرًا (سنة وشهرين) وهو ما يعرف بالوجه وهو ما يعبر عنه اليوم (انا في وجهك) وهو عرف قبلي قديم لذلك نصب الوجه في حر الصيف أحد أيام الشعراء وخرج إلى الفلاة حتى إنتهت مدة الوجه وإقتصت الأحلاف منه لخرقه الأعراف والضوابط.

وما دفعني للكتابة هو أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يقطع يد سارق زمن الجوع والقحط في المدينة المنورة وهو من أوصى بتعلّم مكارم الأخلاق في لامية العرب وتعليمها الأجيال وهو أيضًا الأحدث عهدًا بقيم الجاهلية والإسلام على حدٍ سواء ،وقد ورد في السيرة النبوية بأن رسول الله صلى عليه وسلم كانت له 27 غزوة خرج فيها مقاتلًا على رأس الجيش ،وكانت له 83 سرية لم يخرج فيها مقاتلًا ،نعلم من ذلك أنه إذا خرج مقاتلًا لمعتدين محاربين سميت غزوة ،وإذا خرج لغير القتال سميت سرية ،وذكر القرآن الكريم في سورة الأنفال الخمس وتوزيع الغنائم ،والفرق بين الغزو في الجاهلية والجهاد في الإسلام.

كاتب رأي 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.