كُتاب الرأي

العزوف عن الزواج و مختبر الحب

العزوف عن الزواج و مختبر الحب

مشعل الحارثي

في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة والتحديات المعاصرة التي يشهدها العالم بأسره برزت خلال العقدين الماضية وبشكل ملفت للنظر ظاهرة مثيرة للقلق تهدد استقرار وكيان الأسرة بصفة عامة، وتعكس أزمة حقيقية في المؤسسة الأسرية ، إلا وهي ظاهرة الطلاق المبكر ، والتي بدأت تسجل ارقاما مرتفعة عاما بعد اخر .

فقد أشارت أحدث البيانات الصادمة في مطلع هذا العام 2026 إلى أن معدلات الطلاق في بعض الدول العربية (مثل الكويت والسعودية ومصر) وصلت إلى حالة طلاق واحدة مقابل كل ثلاث حالات زواج سنوياً ، وأن “الطلاق في السنة الأولى” يمثل 40% من هذه الحالات.
بل كشفت تقارير أخرى أنه وصل إلى نسبة 60% ،وأكدت بيانات صادرة عن هيئة الإحصاء ووزارة العدل السعودية بان إجمالي قضايا الطلاق بلغ في عام 2025 نحو (57,595) حالة، بمعدل( 157) حالة طلاق يومياً، أي حالة كل تسع دقائق تقريباً .

وهو ما يشير إلى وجود هشاشة في الاختيار، وغياب للنضج والوعي بالمسؤولية المشتركة بين الزوجين، والفهم بأن الحياة الزوجية مشروع طويل الأمد ، الى جانب غياب لغة الحوار الفعّال وحل النزاعات بطريقة صحية ، او كان ذلك نتيجة لعدم التكيف مع تكاليف المعيشة ومتطلبات الحياة العصرية .

ومن جانب اخر فقد أظهرت بعض التحليلات والدراسات بأن “وسائل التواصل الاجتماعي” شكلت أحد سباب النزاعات الزوجية، حيث تساهم المقارنات الزائفة وانتهاك الخصوصية الرقمية في تدمير الثقة المتبادلة وتحويل الخلافات البسيطة إلى قضايا تنتهي في ردهات المحاكم.

وتشير تلك الإحصائيات والتقديرات الاجتماعية لمطلع عام 2026 بأن معدلات العزوف عن الزواج سجلت أرقاماً قياسية نتيجة للضغوط الاقتصادية العنيفة،و الارتفاع المطرد لسن الزواج في الدول العربية الذي تجاوز حاجز الـ 32 عاماً للرجال والـ 28 عاماً للنساء في معظم العواصم العربية الكبرى، وكضرورة قسرية تفرضها معدلات التضخم وتكاليف السكن التي استنزفت القدرة الشرائية للشباب ، وهو مايجعل أكثر من 40% من الشباب العربي في سن الزواج خارج هذه الدائرة والمنظومة، ويدفع بالملايين منهم للعزوف النهائي عن الزواج والبحث عن بدائل غير رسمية. لسد هذا الفراغ الاجتماعي ، كما سيرفع معه نسبة النساء العازبات فوق سن الثلاثين بمعدل 15% ، مهددا بذلك من جانب اخر بانخفاض حاد في معدلات المواليد، قد يؤدي إلى خلل ديموغرافي يجعل المجتمعات العربية “تشيب” قبل أن تحقق نموها الاقتصادي .

ووسط هذه الارقام الصادمة وفي محاولة علمية جادة واستشراف مبكر للتقليل من آثار هذه الظاهرة الاجتماعية المدمرة فقد أسس عالم النفس (جون غوتمان ) وزميله (روبرت ليفنسون) عام 1986 في جامعة واشنطن أول مركز ابحاث ومختبر للحب في العالم متخصص لدراسة العلاقات الزوجية والتنبؤ بفرص نجاحها أو طلاقها ، وذلك باستخدام عدة طرق منها المراقبة الفيزيولوجية حيث يتم توصيل الأزواج بأقطاب كهربائية وأجهزة قياس لمتابعة معدل ضربات القلب، وتدفق الدم، وإفراز العرق أثناء حديثهم عن علاقتهم ، او عن طريق المحاكاة المنزلية لمدة ٢٤ ساعة ، ورصد الاستجابات بين الطرفين ومدى التجاوب معها.

وقد استطاع الباحثون بعد تطبيق تلك الطرق من التنبؤ بالطلاق بدقة تجاوزت 90% و ذلك بناءً على مدى تفاعل الأزواج مع بعضهم. كما تم تحديد الأنماط المدمرة للعلاقات الزوجية المتمثلة في النقد، والازدراء، والدفاعية، والتجاهل.

كما قام هذا المركز واستجابة لمتطلبات القرن الحادي والعشرين وقفزات العالم الرقمي بتوظيف أحدث التطورات التكنولوجية و إطلاق منصة “غوتمان كونكت” الإلكترونية، ليستفيد المعالجون في جميع أنحاء العالم من قوة مختبر الحب الخاص بغوتمان مع الأزواج، وإتاحة الوصول العالمي لأقوى الأدوات العلاجية، وتقديم هذا التقييم العلمي، الذي يعد الأكثر فعالية وشمولاً للعلاقات ، ويساعد في تحديد المجالات التي يمكن للأزواج تحقيق أكبر قدر من النمو فيها والمساهمة في بناء أسر مستقرة .

أن التزايد المرتفع لأرقام ومؤشرات الطلاق في السعودية وفي عالمنا العربي والإسلامي يكشف عن تحوّل أعمق في بنية العلاقات الإنسانية ويتطلب إعادة تعريف لمفهوم الأسرة ، ومدى الحاجة إلى بناء نموذج أسري جديد قادر على التكيف مع التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم ، وتدعونا الى توسيع ونشر مختبرات الحب في جميع أنحاء العالم، وربما بشكل الزامي لتجاوز تلك الأرقام والتنبؤات المخيفة التي تضع مستقبل الحياة الأسرية في نفق مظلم وعوالم مجهولة .

كاتب رأي 

 

 

مشعل الحارثي

أديب سعودي وكاتب رأي وإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.