المنبوذ الأكبر نتنياهو ودموع التماسيح

المنبوذ الأكبر نتنياهو ودموع التماسيح
مشعل الحارثي
كلمة المنبوذ تعني الشخص المرفوض أو المستبعد من قِبل مجتمعه أو عائلته ، وفي المعاجم الفقهية والقديمة هواسم يُطلق على اللقيط أو الطفل الذي تطرحه أمه في الطريق ، وفي المعنى الاجتماعي الحديث هو الشخص الذي يتجنبه الناس ولا يتلاءم مع الجماعة، فيعيش في عزلة أو تهميش.
ولغويا المنبوذ هو اسم المفعول من الفعل الثلاثي (نَبَذَ)، ويعني المطروح أو الملقى بعيداً، والنبذ : طَرْحُ الشَّيْءِ وَيُقالُ: نَبَذْتُ الشَّيْءَ أَنْبُذُهُ نَبْذًا فَهُوَ مَنْبُوذٌ أَيْ أَلْقَيْتُهُ مِنْ يَدِي، وَالانْتِبَاذُ: طَرْحُكَ الشَّيْءَ أَمَامَكَ أَوْ وَرَاءَكَ ، وَيُطْلَقُ النَّبْذُ بِـمَعْنَى: التَّنَحِّيَةِ وَالعَزْلِ وَالإِبْعَادِ، يُقالُ: نَبَذْتُهُ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ أَيْ عَزَلْتُهُ وَنَحَّيتُهُ.
والداعي لهذه المقدمة ما شهدته أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي في دورتها الـ81 لشهر سبتمبر 2026 من إهانة مدويةلأكبر منبوذ في العالم (نتنياهو) بعد الانسحاب الجماعي والتاريخي لوفود (77) دولة فور صعوده لإلقاء كلمته، وسط صيحات استهجان وهتافات من بعض الحاضرين، احتجاجا على حضوره ورفض الاستماع لبروباغندا كاذبة لشخص مدان بارتكاب جرائم حرب إبادة في غزة وفلسطين وصدر بحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية قبل عامين!!
وهو ماجعله يشعر وهو يلقي كلمته بتوتر وارتباك تام وأخذ يتحدث أمام مقاعد شبه فارغة ماعدا من بقي من مناصريه ومؤيده ، وكأنما التاريخ يعيد نفسه لمشهد مشابه شهدته الجمعية العامة خلال كلمته العام الماضي ، وكل ذلك يعكس حقيقة التوتر الدولي المرتفع ضد كيان الاحتلال، الإسرائيلي وسياسة نتنياهو الاجرامية وما ينتهجه من أساليب القمع والتجويع والإبادة الجماعية للشعب الفلسطينى واستباحته للحرم القدسي باستفزازات متكررة، ،كما يعد في الجانب الأخر رسالة دبلوماسية قوية، تعكس رفضًا واسعًا لموقف إسرائيل وتناميًا في قراءة الخطاب الإسرائيلي وأنه يتجاوز الحدود المقبولة دوليا ، بل ويستقرىء مبكرا المصير والمأل السياسي والا أخلاقي الذي ينتظر نتنياهو ليُنبذه في “مزبلة التاريخ .
ولقد أكد عدد من المراقبين والمحللين السياسيين بأن خطاب نتنياهو الاستعراضي والموتور في الأمم المتحدة كان صادما ومستهجنا ، وبدأ وكأنه يخاطب ويقدم أوراق اعتماده للناخبين الإسرائيليين ، إضافة لما شنه من هجوم على الجميع وما ساقه باستعلاء لسلسلة أكاذيب وتضليل ونفاق وتدليس لتبرير جرائم حروبه واعتداءاته. وأنكاره الإبادة، ومنح جيشه شهادة “الأكثر أخلاقية”، وهجومه على الوفود المنسحبة، واتهامه عمدة نيويورك زهران ممداني بمعاداة السامية الذي سبق له أن دعا السلطات الفيدرالية الأمريكية إلى تنفيذ مذكرة اعتقال نتنياهو، مع إقراره بأن سلطات نيويورك لا تملك صلاحية تنفيذها بنفسها ، كما حمل قطر وتركيا والجامعات والإعلام مسؤولية انهيار صورة إسرائيل ، ومدعيا بان الجميع يتآمر عليها!! بل وصل به الغي والصلف والتعالي والغرور الى نفى ارتكاب حرب إبادة ووصفها بأكبر كذبة في القرن.
واستمرارا لمسلسل نتنياهو القذر لتسويق الزيف وخداع العالم واستدرار عواطفهم ، وصرفهم عما يجري في ارض غزة وفلسطين عموما فقد قام المنبوذ في اليوم السابق لالقاء كلمته باداء الصلاة وذرف دموع التماسيح من أجل ما أسماه معجزة تنقذ حياة نجل سفير إسرائيل في أمريكا الذي أصيب بعملية دهس في الضفة الغربية، قام بها فلسطيني قاوم عدوان المستوطن، ولم يكن يملك سلاحاً، غير استخدام سيارته في الانتقام مما يتعرض له المواطنون من جرائم المستوطنين وقتل الفلسطيني على أثرها، مع أن الحادث لا يعدو عن إصابة تعرّض لها مستوطن واحد في الأرض الفلسطينية قام بأعمال غير إنسانية ضد السكان الفلسطينيين ،وسعى المنبوذ نتنياهو لتوظيف هذه الحادثة بشكل واسع لإظهار الفلسطينيين ومن قام بهذا العمل انه قام بجرم مشهود ، متناسياً أنه قتل من الفلسطينيين خلال عام واحد منذ أحداث أكتوبر الماضي ما يزيد على (90) ألف فلسطيني من النساء والارامل والشيوخ الطاعنين في السن ومن بينهم(20) ألف طفل، إلى جانب ما يقوم به المستوطنين من جرائم في مباني وأراضي ومزارع أهل الأرض من السكان الفلسطينيين، وتهديدهم ووقف أعمالهم وصولا لهدفهم في تهويد الضفة الغربية. ومحاولتهم تحويل الأنظار عن المسؤولية السياسية والممارسات الا إنسانية على الأرض، وتوظيف ذلك في الحسابات السياسية الداخلية”!!
وأقول إنه بعد اقتناع الرأي العام العالمي ووقوفه على حقيقة أكاذيب وسرديات نتنياهو بفيديوهات الإبادة والدمار وصور الضحايا ، والواقع الحي الذي عايشه العالم لحظة بلحظة منذ أحداث أكتوبر الماضي فقد فشل خطاب نتنياهو فشلا ذريعا في تبييض وتبرئة سجل جرائمه وحكومته المتطرفة. وعمّق فشل الإنكار والتخويف والتخوين وهو مأزق كيانه المنبوذ!!واستحق بذلك حصوله على شهادة أكبر كاذب ومنبوذ في العالم .
أن عالمنا اليوم وهو يقف على بركان من نار ودمار وعدم استقرار لابد له من التضامن والتأزر وشدة اليقظة ليحمي وجوده وكينونته ممن يسومون الحياة بأسوأ حالات الرعب والتدمير والارهاب ،ويقف بالمرصاد لمثل هذه الدعايات الإسرائيلية المكشوفة والغايات الخبيثة ويواصل المسير بكل عزم وقوة لنصرة الحق ودحر الباطل والظلم والعدوان ، واحلال السلم والسلام على ربوع المنطقة بل والعالم أجمع.
كاتب رأي
.



