الصحف الرقمية والاستثمار الواعد

الصحف الرقمية والاستثمار الواعد
مشعل الحارثي
أما قبل وفي ظل الانحسار التام للصحافة الورقية والتي مثلت منذ وجودها جسرا بين الماضي والحاضر وشكلت جزء اثيرا من الذاكرة الوطنية والإعلامية والثقافية السعودية، وتماشيا مع معطيات التحول الطبيعي وتغير المسار في عالم أخذ في القفز و التسارع بقوة ، فلابد من توجيه تحية مستحقة لعدد من الصحف الرقمية السعودية التي أثبتت إنها الوجه القادم للإعلام الرقمي والالكتروني ، ولما تمتاز به من التزام بالمهنية الإعلامية والمصداقية والوطنية ،والرصانة في الطرح ،وعدم الإنحراف وراء وسائل التواصل الحديثة وما يكتنفها من أساليب واكاذيب وتظليل ،ووجود مئات الأسماء والمعرفات الوهمية التي تديرها مخابرات وجهات معادية والتي تستهدف في المقام الأول تشتيت المواطنين والشباب ، والتشويش عليهم والاضرار بأمن ومصالح البلاد واستنزاف مقدراتها .
وهو ما يستوجب في الجانب الآخر أن تحضى هذه الصحف الحديثة والإعلام الرقمي والمصرحة من الجهات الرسمية،بالمزيد من الاهتمام والدعم والعمل على تصنيفها ضمن اهتماماتها الثقافية او الاقتصادية او الاجتماعية او الشاملة لكي تواصل مسيرتها بكل توهج وعطاء متصل ،والتي يعلم الجميع بأن أغلبها يقوم على جهود ونفقة أصحابها ومؤسسيهامن منطلق خبراتهم الإعلامية السابقة وولعهم وشغفهم بهذا المجال .
والإعلام الرقمي او الإعلام الجديد كما يسميه البعض هو امتداد للإعلام العام التقليدي ولايجب أن ينظر إليه بأنه تهديد مباشر للحاضر ، بل يعد نقلة حضارية جديدة ، تساير متطلبات العصر الحديث، كما أن للصحافة الرقمية او الإلكترونية خصائص معينة ومختلفة عن الورقية، فهي تتميز بالسرعة في مواكبة الحدث في وقت حدوثه ،وبأسلوب التحرير والكتابة المختصرة ، وكذلك صياغة العناوين ، والتفاعلية السريعة ، والكثير من النواحي الفنية والجمالية الجاذبة للقراء .
وعلى الرغم مما يشهده ميدان الإعلام منذ سنوات. من تغيرات وتحولات كبيرة تمس صناعة الإعلام فان دعم المشروعات الإعلامية الحديثة يعد واجب وطني يتجاوز مسألة الربح المادي إلى ما هو أهم وأعمق، بل يجب أن تنظر الجهات التمويلية بجدية لمثل هذه المشروعات الإعلامية الناشئة،واعتبارها من المشروعات الواعدة بالخير والنماء.
ولازلت أمل و أتمنى عندما أطلق وزير الإعلام السعودي في يناير 2026، الماضي المبادرة الاستراتيجيةلبرنامج تطوير المؤسسات الصحفية،والتي تهدف إلى نقل الصحافة من “نموذج الإدارة التقليدي” إلى “عقلية الاستثمار والمحتوى المحترف” لضمان استدامتها المالية والمهنية، كقطاع اقتصادي واستثماري واعد ومبشر يرتجى نجاحه ، وأن يكون لهذه الصحف الرقمية التي اثبتت وجودها وتاثيرها ومصداقيتها المهنية نصيبها من برنامج تطوير المؤسسات الصحفية اتساقا مع مايعززه هذا البرنامج الطموح من تحقيق الجهود والمساعي المأمولة ، وبعد أن علمنا بأن هذا البرنامج إضافة للجهود الحثيثة التي تتبناها المملكة هو جزء لإعادة صياغة مشهد النشر والصحافةواستراتيجية الإعلام الشاملة، حيث يُنظر إلى هذا القطاع كرافد اقتصادي وثقافي أساسي، خصوصا وأن التقديرات المتوقعة لقطاع النشر والترجمة والخدمات المرتبطة بهما تشير إلى استهداف الوصول إلى حجم استثمارات سنوية تُقدر بنحو( 4.5 ) مليارات ريال (نحو 1.2 مليار دولار) وإلى رفع الإسهام بالنسبة لقطاع الإعلام ككل (والذي تمثل الصحافة والنشر جزءاً أصيلاً منه) في الناتج المحلي، حيث سيكون تأثير البرنامج إيجابيا حيال توقعات الدراسات الاستراتيجية للهيئة العامة لتنظيم الإعلام والتي ترجح أن تعتمد استدامة سوق الصحافة على التحول الرقمي وأن يستحوذ النشر الرقمي على حصة تتجاوز( 40 % ) من إجمالي إيرادات قطاع النشر بحلول عام 2029-2030 في ظل تقدير النمو السنوي المركب لقطاع المحتوى الرقمي (الذي يشمل الصحافة الإلكترونية) بنحو( 11 %) ، كما أنه من المرجح أن يدعم البرنامج الممكنات والمحفزات اللازمة لتحسين وتنمية سوق الإعلانات (المحرك الرئيس) الذي تعتمد الصحافة عليه بشكل أساسي، وأن يكون له دور في الوصول إلى المستهدف وهو بلوغ إجمالي سوق الإعلانات في المملكة إلى( 33.3) مليار ريال بحلول عام 2033، ويرجح أيضا أن تنال المؤسسات الصحفية منها ضمن “برنامج تطوير المؤسسات الصحفية” حصة أكبر عبر تحديث منصاتها الرقمية، كما يعول بشكل كبير على البرنامج في خلق الوظائف المناسبة والملائمة في قطاع النشر الذي يشكل جزء من مستهدف الـ( 160) ألف وظيفة المخطط توفيرها في قطاع الإعلام، وامتدادا لما شهدته المملكة من زيادة كبيرة في منح تراخيص النشر الإلكتروني، حيث تم إصدار مئات التراخيص لمؤسسات وصحف إلكترونية جديدة لدعم التنافسية في السوق. والوصول لصناعة إعلامية ذكية ومربحة .
وكم نعول على هذا البرنامج بأن يشمل الجميع وان يسعى للارتقاء بالصحافة الرقمية والتحول إلى “عقلية الاستثمار والمحتوى المحترف” لضمان استدامتها المالية والمهنية، كقطاع اقتصادي واستثماري واعد.
كاتب رأي



