أصحاب الأثر

عامل الله وأبشر بخير

عامل الله وأبشر بخير

حكاية شخصية مكية اختصرت الحياة في جملة.

—————————————

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي.

أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.

————————————-
في حياة بعض الناس عبارات لا يقولونها عابراً ثم تُنسى بل تتحول مع الأيام إلى جزء من شخصيتهم، وتختصر تجربة طويلة في الحياة. ومن هذه الشخصيات المكية التي ارتبطت في ذهني بعبارة ذات معنى إنساني عميق الوجيه السيد الأستاذ عبدالرحمن حسين متولي الكتبي  أحد أبناء مكة المكرمة، ولد فيها وترعرع ودرس في مدارسها وبين أحيائها، فارتبط بها معرفة ومحبة وذاكرة.
ولعل أكثر ما يميزه تلك العبارة التي يرددها دائماً، حتى في مواجهة من ظلمه أو أساء إليه:
(عامل الله وأبشر بخير)
وقد تعلمت منه أن الإنسان لا ينبغي أن يجعل أخلاقه رهينة لأخلاق الآخرين، ولا إحسانه مشروطا بما يتلقاه منهم.. فليس كل الناس ينصفون، ولكن الإنسان حين يجعل علاقته بالله أساساً لأعماله، يصبح الخير عنده مبدأً لا ينتظر مقابلاً.
يتميز الوجيه  الأستاذ عبدالرحمن متولي بقربه من الناس، وعرف مكة المكرمة من خلال تفاصيلها وأحيائها وأسواقها وعمل في تجارة العود والبخور والعطور في شارع المدعى بمكة المكرمة، قريباً من المسجد الحرام، في بيئة مكية ثرية أسهمت في تشكيل تجربته ومعرفته بالناس والمكان.
لكن التجارة لم تكن عالمه الوحيد فقد كان قارئاً محباً للمعرفة واسع الاطلاع في الكتب الشرعية والأدبية والتاريخية، حتى كوّن مع مرور السنوات رصيداً معرفياً متنوعاً جعله مرجعاً ثقافياً ثرياً في كثير من الموضوعات خاصة لطلاب العلم الذين يستشيرونه ويستفسرون منه في مسائل تأريخية تتعلق بمكة المكرمة وتأريخها العظيم..
ومن ضمن مفاهيمه التي ىؤمن بها  أيضاً أن الثقافة الحقيقية لا تتوقف عند حدود الدراسة أو الشهادات، وإنما تنمو بالقراءة المستمرة، وحب المعرفة، والقدرة على الاستفادة من تجارب الحياة.
وله اهتمام كبير بتاريخ مكة المكرمة ذلك التاريخ الذي لا يقتصر على الأحداث الكبرى، بل يشمل أيضاً تفاصيل الناس والأحياء والأسواق والذاكرة الاجتماعية للمدينة. وقد كتب عن مكة المكرمة  كتابات جميلة تنطلق من معرفة إبناً  عاش في هذا المكان المبارك وأحب تاريخه العظيم  واحتفظ بكثير من تفاصيله.
ومن خلال حديثه واهتمامه بتاريخ مكة يؤكد  بأن المدن ليست مباني وشوارع فحسب بل هي ذاكرة وهوية وثقافات وحكايات إنسانية تستحق أن تروى وتسطر بماء الذهب وأن الحفاظ على تاريخ مكة وتوثيق تفاصيلها هو حفاظ على ذاكرة المكان للأجيال القادمة.
ولعل الذي دفعني للكتابة عن هذه الشخصية المكية هي حبها للمدينة المقدسة مكة المكرمة والبحث في تأريخها ومشاركته مع مجموعة  من المختصين والمهتمين  وطلبة العلم بهذا التأريخ العظيم..
ولعل أجمل ما سمعته من الوجيه  الأستاذ عبدالرحمن حسين متولي الكتبي أن الإنسان يستطيع أن يختصر تجربة عمر كاملة في جملة صادقة، إذا كانت تلك الجملة نابعة من إيمان وتجربة وحكمة وهذه الجملة:
«عامل الله وأبشر بخير».
كلمات بسيطة، لكنها تحمل معنى عميقاً جداً أن تفعل الخير لأن الخير قيمة  بأن لا  تسمح لمواقف الآخرين  تغير أجمل ما فيك.
فبعض الشخصيات تترك أثرها في حياة من حولها وهي حاضرة بينهم، من خلال مواقفها وكلماتها وطريقة تعاملها مع الناس.   والأستاذ عبدالرحمن متولي بما يحمله من ثقافة وتجربة وحب لمكة  له أثراً جميلاً وما زالت عبارته التي يرددها تختصر جانباً كبيراً من أسلوب حياته وتعامله مع الأخرين..
(عامل الله… وأبشر بخير).

كاتب رأي

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.