كُتاب الرأي

هل لدى الجامعات برامج للولاء المؤسسي؟.

هل لدى الجامعات برامج للولاء المؤسسي؟.

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي أستاذ جامعي سابق – جامعة أم القرى – مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.

—————————————
بعد نشر مقالتي عن استبقاء أعضاء هيئة التدريس من الدكاترة الأكاديميين المتميزين، وفي مقدمتهم الأساتذة من رتبة البروفيسور، في الجامعات، تواصل معي عدد من الزملاء، وطرحوا فكرة الكتابة عن جانب آخر يرتبط بهذه القضية، وهو الولاء المؤسسي بوصفه برنامجاً وممارسةً داخل الجامعات.
وكان السؤال الذي استوقفني: هل لدى جامعاتنا برامج واضحة لبناء الولاء المؤسسي وتعزيزه؟ وهل نتعامل مع الولاء باعتباره قيمة تنظيمية يمكن بناؤها وقياس أثرها، أم نتركه لمجرد الانطباع الشخصي لدى الموظف أو عضو هيئة التدريس؟
عندما نتحدث عن تطوير الجامعات غالباً ما ينصرف الاهتمام إلى الخطط الاستراتيجية، وجودة البرامج الأكاديمية، والبحث العلمي، والتصنيفات العالمية. لكن هناك جانب آخر لا يقل أهمية يتعلق بالعلاقة بين الجامعة ومنسوبيها، ومدى شعورهم بالانتماء إليها، ورغبتهم في الاستمرار والعطاء فيها.
ومن هنا يأتي سؤال يستحق التوقف عنده: هل لدى الجامعات برامج واضحة للولاء المؤسسي وتعزيزه؟
الولاء المؤسسي لا يعني أن يبقى الموظف في الجامعة لسنوات طويلة فقط كما لا يعني أن يكون راضياً عن وظيفته. فهو يرتبط بدرجة شعوره بالانتماء إلى المؤسسة، وثقته بها، وإدراكه لقيمته ودوره فيها، واستعداده للمساهمة في نجاحها.
وفي الجامعات على وجه الخصوص تكتسب هذه العلاقة أهمية أكبر لأن الجامعة تعتمد بدرجة كبيرة على المعرفة والخبرة المتراكمة لدى أعضاء هيئة التدريس والباحثين والموظفين ، وكلما زاد شعورهم بالانتماء، زادت فرص الاستقرار، واستمرار العمل، وتبادل الخبرات، وبناء المشروعات التي تحتاج إلى سنوات حتى تظهر نتائجها.
لكن الولاء لا يمكن أن يكون أبداً مطلباً من طرف واحد. فلا يمكن للمؤسسة أن تطلب من أستاذ أو باحث أن يكون وفياً لها بينما لا يشعر بالتقدير أو العدالة أو وجود فرص حقيقية للتطور والمشاركة.
فالولاء في بيئة العمل يتأثر بعوامل كثيرة ، ومن بينها العدالة في التعامل، والتقدير، والتمكين، ووضوح المسار المهني، وجودة القيادة، والاستماع إلى العاملين، وإتاحة فرص التطوير والبحث والمشاركة في اتخاذ القرار.
ولهذا فإن برامج الولاء المؤسسي إن وجدت ينبغي ألا تقتصر على الاحتفاء بالمناسبات أو تقديم بعض المزايا، بل أن تكون جزءاً من منظومة أوسع تهتم بعلاقة الإنسان بالمؤسسة منذ بداية عمله وحتى مراحل متقدمة من مسيرته.
وقد يكون من المفيد أن تتعرف وتقيس الجامعات بصورة دورية  مستوى الولاء والانتماء لدى منسوبيها من خلال أدوات واضحة للقياس وأن تبحث في أسباب ارتفاعه أو انخفاضه. كما يمكن أن تتابع مؤشرات مثل معدل بقاء الكفاءات واستقرار أعضاء هيئة التدريس والباحثين، ومستوى المشاركة في المبادرات والمشروعات، ومدى الرضا عن البيئة الأكاديمية والإدارية.
وهنا يرتبط الولاء المؤسسي بقضية أخرى مهمة هي الاحتفاظ بالكفاءات. فالجامعة التي تستثمر في تطوير أساتذتها وباحثيها، وتوفر لهم بيئة تساعدهم على العمل والنمو، تكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بهم. أما فقدان الكفاءات بصورة متكررة فيستحق أن يدفع الجامعة إلى البحث في الأسباب، لا الاكتفاء بمعالجة النتائج.
والأثر لا يقتصر على الموظف أو الجامعة. فالطالب يستفيد أيضاً من استقرار البيئة الأكاديمية لأن الأكاديمي  الذي يشعر بالانتماء والاستقرار يكون أكثر قدرة على بناء علاقة طويلة مع طلابه، وتطوير برامجه، والمشاركة في البحث العلمي، ونقل خبرته إلى الأجيال الجديدة.
لذلك من المؤكد  تحتاج الجامعات إلى النظر إلى الولاء المؤسسي باعتباره مؤشراً من مؤشرات صحة البيئة الجامعية، وليس مجرد شعور شخصي لدى المنسوبين.
والسؤال الذي يمكن أن تطرحه كل جامعة على نفسها ليس فقط: كم لدينا من الموظفين والمنسوبين ؟ وكم النسبة  منهم التي بقيت معنا؟ بل: كم منهم يشعر بأنه جزء حقيقي من هذه المؤسسة، وأن نجاحها يعني له شيئاً؟
فبناء الولاء يحتاج إلى وقت لكنه يبدأ من تفاصيل يومية بسيطة: عدالة في التعامل، وتقدير للجهد، وثقة بالكفاءة، وقيادة تستمع، وفرص حقيقية للنمو.
وأكرر دعوتي: ربما يكون من المفيد والمهم  أن تسأل الجامعات اليوم:
هل لدينا برامج واضحة للولاء المؤسسي؟ وإن كانت موجودة، فهل نقيس أثرها فعلاً؟

كاتب رأي 

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.