كُتاب الرأي

شتاءٌ يمرُّ من القلب

شتاءٌ يمرُّ من القلب

هناك شيءٌ مختلف في الشتاء لا يشبه بقية الفصول؛ كأن الحياة حين تبرد قليلًا تصبح أقرب إلينا، وكأن السماء حين تمتلئ بالغيوم تخفّف عن صدورنا أشياء لم نستطع أن نقولها.

يكفي أن نستيقظ صباحًا ونرى الغيم يغطي السماء حتى يتغير مزاج اليوم كله. ننظر من النافذة أكثر من مرة، نفتح تطبيق الطقس، نراقب احتمال المطر، ونرسل لبعضنا: «شكلها بتمطر اليوم». جملة صغيرة جدًا، لكنها تحمل فرحة كبيرة لا نعرف لها تفسيرًا.

وإذا نزلت أول قطرة، تبدأ الحكاية.

يتغير لون الشوارع، وتفوح رائحة الأرض، وتصبح الأشجار أكثر حياة، ويخرج الناس إلى النوافذ والأبواب كأن المطر ضيف عزيز طال انتظاره. حتى الذي كان قبل دقائق غارقًا في العمل والملفات والمواعيد، يجد نفسه يسرق نظرة من خلف زجاج المكتب، ويتمنى في داخله أمنية بسيطة جدًا: «يا ليت نطلع من الدوام الآن».

ليس كسلًا، ولا هروبًا من المسؤولية؛ لكنها رغبة إنسانية عفوية في ألا يمر هذا الجمال ونحن خلف الجدران.

في الأيام الممطرة يصبح الطريق نفسه مختلفًا. الطريق الذي نسلكه كل صباح وقد حفظنا إشاراته وزحامه وتفاصيله، يتحول فجأة إلى مشهد جميل. نبطئ السيارة قليلًا، نرفع صوت أغنية نحبها، نطلب قهوة، ونشعر أن الطريق الطويل أصبح أقصر. وربما لا يكون في يومنا شيء استثنائي، لكن الغيمة وحدها تكفي لتجعلنا أخفّ.

الغريب أن المطر لا يغيّر المكان فقط، بل يغيّرنا نحن أيضًا.

يجعلنا أكثر هدوءًا، وأكثر ميلًا للذكريات. نتذكر بيوتًا قديمة، وضحكات، وأشخاصًا غابوا، وأيامًا كنا نركض فيها تحت المطر دون أن نخشى أن تبتل ملابسنا. نتذكر الشتاء في طفولتنا، صوت الأمهات وهن يقلن: «لا تطلعون، الدنيا برد»، ثم نخرج رغم ذلك؛ لأن فرحة المطر كانت أكبر من كل التحذيرات.

وحين تكون السماء غائمة طوال اليوم، نشعر كأننا نمشي فوق سحابة. تصبح النفوس أكثر قابلية للفرح، والمزاج ألين، وحتى أحاديث الناس تتغير. الجميع يتحدث عن الجو، وعن المطر، وعن البر، وعن القهوة، وعن المكان الذي يتمنى أن يكون فيه الآن.

ربما لهذا نحب المطر؛ لأنه يعيدنا إلى الأشياء البسيطة.

لا يحتاج الإنسان وقتها إلى مناسبة كبيرة حتى يفرح. تكفيه نافذة، وغيمة، ورائحة مطر، وكوب دافئ، وطريق هادئ، وشخص يحبه يقول له: «الجو اليوم يشرح الصدر».

وفي الحقيقة، هناك أيام لا ينقصها شيء سوى غيمة.

غيمة تعيد ترتيب مزاجنا، وتمسح بعض تعب الأسبوع، وتذكرنا بأن الحياة مهما ازدحمت بالعمل والالتزامات، ما زالت تخبئ لنا لحظات مجانية من الجمال.

فالشتاء ليس مجرد انخفاض في درجات الحرارة، والمطر ليس مجرد ماء ينزل من السماء؛ أحيانًا يكون المطر استراحة صغيرة للروح، ورسالة لطيفة تقول لنا:

ما زال في الدنيا ما يستحق أن نقف قليلًا، ونبتسم، ونرفع وجوهنا نحو السماء.

بقلم حنان السبهان 

 

 

حنان السبهان

أديبة وكاتبة رأي

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.