كُتاب الرأي
ما بعد الكلمة

ما بعد الكلمة
هناك كلمات تُقال في لحظة عابرة، لكنها لا تعبر معنا. تنتهي الجملة عند قائلها، وتبدأ عند متلقيها رحلة طويلة من التفكير والألم والأسئلة. فقد ينسى الإنسان ما قيل له في مواقف كثيرة، لكنه يصعب عليه أن ينسى كلمة أصابت موضعًا حساسًا في قلبه، أو جاءت في وقت كان فيه أكثر ضعفًا وحاجة إلى الرحمة.
الكلمة الجارحة لا تحتاج إلى صوت مرتفع حتى تؤلم؛ أحيانًا تكون هادئة جدًا، لكنها تحمل معنى قاسيًا يبقى عالقًا في الذاكرة. وربما يعود الإنسان إليها بعد أشهر أو سنوات ويتساءل: لماذا قيلت لي؟ وهل كنت أستحقها؟ وكيف استطاع شخص يعرف مشاعري أن يختار تحديدًا العبارة التي يعلم أنها ستؤذيني؟
والأشد ألمًا أن تكون الكلمة قد قيلت في لحظة غضب أو رغبة في الانتقام. فالانتقام بالكلمات قد يمنح قائله شعورًا مؤقتًا بأنه انتصر أو ردَّ ألمه، لكنه في الحقيقة لا يصنع راحة دائمة. فما قيمة انتصار يجعل إنسانًا آخر يحمل جرحًا في قلبه؟ وما قيمة لحظة رضا عابرة إذا كان ثمنها ذاكرة مؤلمة لدى شخص آخر؟
ربما يشعر من قال الكلمة في لحظتها بالراحة، وربما يندم بعدها، وربما لا يدرك أصلًا حجم ما تركه في النفس. فالناس يختلفون؛ منهم من يراجع نفسه سريعًا، ومنهم من يحتاج إلى وقت حتى يفهم أن بعض العبارات لا تُمحى بسهولة، وأن الاعتذار الصادق قد يكون أكثر شجاعة من الإصرار على الخطأ.
أما المغفرة، فهي أمرها إلى الله وحده، فلا نستطيع أن نحكم على إنسان بأن الله سيغفر له أو لن يغفر له. لكننا نؤمن بسعة رحمة الله، وأن باب التوبة مفتوح، وأن الندم الصادق، والتراجع عن الإساءة، ومحاولة إصلاح ما أفسدته الكلمة، كلها معانٍ عظيمة تدل على صدق الإنسان مع نفسه وربه. وحين يتعلق الأمر بمشاعر الآخرين وحقوقهم المعنوية، يبقى الاعتذار وجبر الخاطر من أجمل ما يمكن تقديمه.
وفي المقابل، ليس مطلوبًا من القلب المجروح أن ينسى فورًا. فالتسامح أحيانًا رحلة، وليس قرارًا لحظيًا. قد يسامح الإنسان ولا يستطيع النسيان، وقد يتجاوز الموقف لكنه يتذكر العبارة كلما مر بشيء يشبهها. وهذا لا يعني أنه يحمل الكراهية، بل يعني فقط أن بعض الكلمات كانت أعمق من أن تمحوها الأيام بسرعة.
لهذا نحن بحاجة إلى شيء من الترفق قبل الكلام. أن نسأل أنفسنا: هل نريد أن نعبّر عن ألمنا، أم نريد أن نصنع ألمًا جديدًا؟ فالفرق بينهما كبير.
الكلمات لا تُرى، لكنها قد تحتضن قلبًا أو تكسره، وقد تعيد لإنسان ثقته بنفسه أو تترك داخله سؤالًا طويلًا. لذلك ربما يكون أجمل ما نتعلمه في علاقاتنا أن نختلف دون أن نهين، وأن نغضب دون أن نجرح، وأن نبتعد حين يلزم دون أن نترك خلفنا كلمات يصعب على القلوب نسيانها.
فالكلمة قد تستغرق ثانية واحدة لتُقال، لكنها أحيانًا تحتاج سنوات حتى تهدأ في القلب.