أسماء لا تشبه حقيقتها

أسماء لا تشبه حقيقتها
ليست المشكلة أن الأشياء تتغير. فنحن نتغير والأيام تغير أشياء كثيرة فينا. المشكلة الطريفة أننا حين تتغير أفعالنا نظل أحياناً نناديها بأسمائها القديمة.
للأشياء أسماء نعرفها ونطمئن إلى معانيها.
فالحرص حرص والحزم حزم والمجاملة أدب والانشغال انشغال والخوف على من نحب شيء طبيعي.
وهذا هو الأصل.
وليس وراء كل اسم جميل حقيقة قبيحة. فالحرص فضيلة والحزم ضرورة والمجاملة من حسن المعاشرة والانشغال قد يكون حقيقياً والخوف على الأبناء واحداً من أجمل وجوه المحبة.
لكن بعض الأشياء تتغير بهدوء بينما تحتفظ بأسمائها القديمة.
وهنا تبدأ الحكاية.
وأنا لست خارجها. بل أخشى أن يكون لكل واحد منا قاموس صغير تتغير أفعاله بينما تظل أسماؤها القديمة في مكانها وكأن شيئاً لم يتغير.
فأنا قد أتمسك برأيي وأسمي ذلك ثباتاً على المبدأ. فإذا تمسك صاحبي برأيه اكتشفت بسرعة مدهشة أنه عنيد.
الفعل واحد.
لكن النفس البشرية تملك موهبة عجيبة في اختيار الأسماء بحسب صاحب الفعل.
والحرص على المال فضيلة. تعلمت من السوق أن المال الذي لا تعرف قيمته يعرف طريقه إلى الخروج منك سريعاً.
لكن الحرص نفسه قد يمشي بصاحبه خطوات صغيرة حتى يصل به إلى البخل دون أن يخبره أنه وصل.
والطريف أن الرجل حين يصل لا يغير الاسم.
يبقى بخيلاً عند الناس وحريصاً في سيرته الذاتية.
والحزم أيضاً نحتاجه في البيت والعمل. لكن الحازم قد يزيد الجرعة قليلاً ثم قليلاً حتى يصبح الحزم قسوة.
وإذا مارس هو ذلك ظل يسميه حزماً.
أما إذا مورس عليه فقد يكتشف فجأة فضائل الحوار والمرونة وربما الديمقراطية أيضاً.
وفي بيوتنا قاموس آخر.
تخاف الأم على ابنها وهذا حب. وتسأل عنه وهذا اهتمام. ثم تسأل أين ذهب ومع من ومتى يعود ولماذا تأخر ومن كان معه.
وقد يبلغ الابن الأربعين بينما بعض الأسئلة لا تزال تتعامل معه كأنه تأخر عن طابور الصباح.
والابن نفسه ليس بريئاً تماماً.
فقد يقول لأبيه أو أمه: أنا مشغول.
والعجيب أن هذا الانشغال الذي لا يجد عشر دقائق لهما يستطيع بطريقة لا أفهمها أن يجد مباراة كاملة وساعة للهاتف ووقتاً للأصدقاء.
يبدو أن بعض أنواع الانشغال تعرف جيداً كيف ترتب أولوياتها.
والهاتف كشف لنا أشياء كثيرة عن أنفسنا.
أفتحه أحياناً لأرى خبراً واحداً.
وبعد ساعة أكتشف أنني أصبحت أعرف مطعماً لم أزره وسيارة لن أشتريها وخلافاً بين شخصين لا أعرفهما.
ثم أغلقه مطمئناً.
فأنا لم أضع ساعة من عمري.
كنت أتابع الأخبار.
وللراحة حكايتها أيضاً.
فقد أجلس بعد يوم طويل وأقول إن الجسد يحتاج إلى الراحة وهذا صحيح تماماً. لكن الراحة كغيرها قد تتمادى. وبعد ساعتين أكون في المكان نفسه والهاتف في يدي وقد انتقلت من الراحة إلى الكسل دون مراسم رسمية.
ومع ذلك أظل متمسكاً بالاسم الأول.
أنا لا أتكاسل.
أنا أريح نفسي.
وفي السوق تصبح المسألة أكثر كلفة.
هناك فرق بين الحاجة والرغبة. لكن السوق يعرف جيداً كيف يقرب المسافة بينهما حتى تختلط علينا الحدود.
أدخل المتجر وأنا أعرف تماماً ماذا أريد.
وهذه ثقة لا تستمر دائماً حتى باب الخروج.
فقد أخرج بشيء لم أكن أعرف قبل دخولي أنني أحتاج إليه.
ولا أحب أن أسمي ذلك ضعفاً أمام التسويق.
أقول لنفسي إن الاحتياجات تطورت.
والعبارة أقل إيلاماً من الاعتراف.
ونبدل هاتفاً يعمل لأن هاتفاً أحدث ظهر. ونغير سيارة جيدة لأن الأحدث أجمل. ونقيم مناسبة تتجاوز قدرتنا لأن الناس اعتادوا مستوى معيناً.
ثم تأتي الأقساط فتصنع معجزة حسابية عجيبة.
تجعل الشيء الغالي يبدو رخيصاً لمجرد أننا قسمنا ثمنه إلى اثني عشر جزءاً.
وفي العلاقات الاجتماعية نسأل عن الصديق وهذا وفاء.
ثم لا نعرف أحياناً أين ينتهي الاهتمام ويبدأ الفضول.
فنريد أن نعرف أين ذهب وكم دفع ولماذا اشترى وكم يكسب ولماذا لم يتزوج ابنه.
ولا أحد يحب أن يكون فضولياً.
نحن فقط نطمئن.
والمجاملة من حسن المعاشرة. وليس من الأدب أن نقول كل ما نعرف ولا أن نجعل الصراحة سكيناً.
لكن هناك مسافة بين أن تحفظ للإنسان خاطره وبين أن تقول في حضوره كلاماً يحتاج بعد خروجه إلى نسخة أخرى.
ولعلنا نعرف هذه المسافة جيداً.
وفي العمل عشت سنوات تكفي لأعرف أن كثرة الحركة لا تعني دائماً كثرة الإنجاز.
قد نجتمع طويلاً ثم نحتاج إلى اجتماع آخر لنعرف لماذا لم ينجز ما اجتمعنا من أجله.
وقد نؤجل القرار لأننا نريد مزيداً من الدراسة.
وأحياناً تكون الدراسة قد انتهت منذ زمن ولم يبق إلا شخص مستعد لأن يقول: أنا أتحمل القرار.
لكن أكثر الأسماء التي تستحق التأمل ليست أسماء أفعال الآخرين.
بل أسماؤنا نحن.
فالعنيد يفضل أن يكون ثابتاً. والمتكبر أكثر راحة حين يصف نفسه بالواثق. والمتهور يحب كلمة الشجاعة. ومن يجرح الآخرين بكلماته يستطيع دائماً أن يقول: أنا صريح.
ولا أستثني نفسي من هذه الحيلة.
فالإنسان لا يحب فقط أن يكون جيداً.
يحب أيضاً أن يجد اسماً جيداً لما يفعله.
وربما لهذا لا نكذب دائماً حين نمنح بعض أفعالنا أسماء لا تشبهها.
أحياناً نحن فقط نتمسك بالاسم القديم بعد أن تغير ما تحته.
الأسماء لا تتغير بسرعة الحقائق.
تتغير الحقيقة أولاً ونظل زمناً نناديها باسمها القديم.
ولذلك ربما لا نحتاج في نهاية اليوم إلى سؤال أنفسنا فقط:
ماذا فعلنا؟
فهذا سؤال سهل.
الأصعب أن ننظر إلى بعض ما فعلناه ونسأل:
وهل سميناه باسمه الحقيقي؟
كمال محمد عثمان
Kamal-othman@hotmail.com
