حين تتحول القوة إلى فعل

حين تتحول القوة إلى فعل
خلق الله الإنسان وهو يحمل في داخله من الطاقات أكثر مما يدرك عن نفسه وأودع فيه من الإمكانات ما يكفي ليصنع واقعاً مختلفاً لكن امتلاك القوة لا يعني أن شيئاً قد تحقق فهناك فرق بين من يملك القدرة ومن يحولها إلى أثر
البذرة تحمل في داخلها شجرة عظيمة وربما غابة كاملة لكنها تظل مجرد احتمال حتى تشق طريقها في الأرض وتواجه الريح وتستقبل المطر عندها فقط تتحول القوة إلى فعل
كل إنسان يولد وفي داخله قوة العقل وقوة التعلم وقوة الإبداع لكن هذه القوى تبقى كامنة حتى يوقظها العمل فالعالم لم يصبح عالماً لأنه يملك عقلاً بل لأنه أتعب ذلك العقل والكاتب لم يصبح كاتباً لأنه يملك اللغة بل لأنه كتب والقائد لم يصبح قائداً لأنه امتلك السلطة بل لأنه حمل مسؤوليتها
ولهذا فإن النية الصادقة قوة لكنها لا تطعم جائعاً والمعرفة قوة لكنها لا تبني أمة حتى تتحول إلى عمل والمحبة قوة لكنها لا يشعر بها أحد حتى تصبح موقفاً والعدل قوة لكنه لا يغير حياة الناس حتى يصبح قراراً
وقد ينشغل الإنسان طوال عمره وهو يظن أنه يفعل الكثير بينما هو يدور في المكان نفسه لأن الفعل ليس كثرة الحركة بل هو كل خطوة تقربك من الغاية وكل قرار ينقل الإمكان إلى الواقع
ولهذا لا يقاس الإنسان بما يستطيع أن يفعل بل بما فعل بالفعل فكم من أصحاب قدرات عظيمة غاب أثرهم لأنهم لم يغادروا دائرة الاحتمال وكم من أناس كانت إمكاناتهم محدودة لكنهم بدأوا بما بين أيديهم حتى أصبح لهم أثر لا ينسى
والأمم كذلك لا تنهض بما تملكه من ثروات وحدها بل بما تحوله من إمكانات إلى إنجازات ولذلك فإن التاريخ لا يتذكر من امتلك القوة بل يتذكر من أحسن استخدامها
ولعل التجربة السعودية في عهد سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان تقدم مثالاً معاصراً على هذا المعنى فقد انتقلت كثير من الأفكار من مرحلة الإمكان إلى مرحلة التنفيذ وأصبحت المشروعات والبرامج والقرارات واقعاً يراه الناس وهذا هو الفارق بين القوة التي يمكن أن تكون والفعل الذي أصبح حقيقة
إن القوة وعد أما الفعل فهو وفاء والقوة بداية الطريق أما الفعل فهو نهايته والقوة تفتح الأبواب أما الفعل فهو الذي يعبر منها
ولهذا فإن التاريخ لا يكتب ما كان يمكن أن يحدث بل يكتب ما حدث بالفعل
كمال محمد عثمان
Kamal-othman@hotmail.com