كُتاب الرأي

هذا الوطن الذي أنتمي إليه

هذا الوطن الذي أنتمي إليه

عبدالعزيز الحركان 

في كل عام يأتي اليوم الوطني، فأجدني أمام شعور أكبر من أن تختصره عبارة. فأنا لا أرى “23 سبتمبر ” مجرد تاريخ في التقويم، ولا مناسبة تملأ الشوارع بالأعلام واللون الأخضر. أراه يومًا أتذكر فيه شيئًا أعيشه طوال العام، أنني أنتمي إلى وطن أعتز باسمه، وتاريخه، ورايته، وكل ما تمثله لي كلمة “السعودية”.

“أنا سعودي”

وهذه جملة أقولها اليوم بشعور مختلف، شعور رجل يعرف أن الانتماء ليس مجرد مكان ولدت فيه، وإنما قصة طويلة ورثناها، ونعيش فصلها الذي نكتبه بأيدينا.

حين أتأمل تاريخ المملكة، أتوقف عند رجل حمل فكرة الوحدة حتى أصبحت واقعًا. الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، مؤسس هذه الدولة، ارتبط اسمه بمسيرة توحيد البلاد وبناء كيان جمع مناطقها تحت راية واحدة. ومن تلك المسيرة بدأت قصة المملكة التي نعرفها اليوم. وحين أتذكر ذلك، لا أتعامل معه كتاريخ انتهى في الكتب. أراه حاضرًا في كل ما حولي.

في وطن واسع يجمع مدنًا ولهجات وثقافات ومناطق مختلفة تحت اسم واحد. في أمن نعيش تفاصيله دون أن نفكر فيه كل صباح. وفي أجيال ولدت وهي تعرف المملكة دولة واحدة، وربما لا تدرك كم كان الوصول إلى هذه الصورة عظيمًا.

ثم جاءت أجيال من أبناء المؤسس، وواصلت بناء الدولة وتطويرها، حتى وصلنا إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.

وحين أنظر إلى حاضر المملكة، أشعر بالفخر لأنني أعيش مرحلة من تاريخها أرى فيها بلادي تتقدم بثقة، وتحافظ في الوقت نفسه على جذورها وهويتها. وهذا تحديدًا ما يجعل الانتماء السعودي بالنسبة لي شيئًا مختلفًا. فنحن لا نحتفل بتاريخ فقط: نحتفل بهوية ما زالت حاضرة في تفاصيل حياتنا. في مجلس يجتمع فيه الناس حول القهوة. في كرم اعتدناه حتى أصبح طبيعيًا. في شهامة تظهر دون إعلان. في أب يعلّم ابنه كيف يستقبل ضيفًا. في شخص يمد يده للمساعدة قبل أن يُطلب منه ذلك. وفي قيم تربينا عليها حتى أصبحت جزءًا من طبعنا. ولعل هذا هو المعنى الذي يلامسني في شعار اليوم الوطني السادس والتسعين: “عزّنا بطبعنا“.

فالهوية الوطنية لا تعيش في الشعارات وحدها، تظهر في السلوك، وفي الطريقة التي نعامل بها بعضنا، وفي القيم التي نحملها معنا أينما ذهبنا. والهوية الرسمية لهذا العام تستحضر الشجاعة والرؤية والأصالة والهمة والجود والكرم بوصفها من القيم التي تعبّر عن المجتمع السعودي.

ولهذا حين أقول إنني أحب وطني، لا أحتاج إلى البحث عن الكلمات الكبيرة. يكفيني أن أعرف ماذا يعني لي أن أكون سعوديًا. يعني أن أحمل اسم بلادي معي حين أسافر. أن أشعر بشيء مختلف حين أرى علمها في مكان بعيد. أن أقف حين أسمع النشيد الوطني. أن أرى طفلًا يلوح بالعلم وأشعر أن شيئًا من المستقبل يقف أمامي. هذه مشاعر لا تحتاج إلى شرح طويل. نحن نعرفها بالفطرة. وقد لا ننتبه إليها في الأيام العادية، لكن يكفي أن نبتعد قليلًا عن وطننا حتى ندرك قيمة التفاصيل التي كنا نظنها عادية. عندها تعرف أن الوطن ليس حدودًا مرسومة على الخريطة.

الوطن هو أن يكون لك مكان تقول عنه: “هنا أنا.” وهنا أهلي. وهنا ذاكرتي. وهنا بدأت حكايتي. ولهذا فإن فخري بالمملكة لا يرتبط بما حققته فقط، وإنما بما تمثله لي. هي الأرض التي صنعت جزءًا من شخصيتي، والهوية التي أحملها دون أن أضطر إلى شرحها، والراية التي أعرفها منذ طفولتي. وأنا لا أنظر إلى المستقبل بخوف على هوية وطني. على العكس، أكثر ما يبعث على الاعتزاز أن نرى المملكة تتقدم إلى المستقبل وهي تحمل معها اسمها وتاريخها وقيمها. أن يتعلم أبناؤنا لغات العالم وعلومه، ويسافروا إلى أبعد الأماكن، ثم يعودوا وهم يعرفون من أين جاءوا. أن نفتح أبوابنا للمستقبل دون أن نغلق أبواب ذاكرتنا. هذه بالنسبة لي إحدى صور القوة.

وفي اليوم الوطني، لا أريد أن أعدد ما أنجزناه وكأن الوطن يحتاج إلى شهادة مني. يكفيني أن أقول ما أشعر به. أنا فخور لأنني أنتمي إلى المملكة العربية السعودية. فخور بتاريخ بدأ مع الملك عبدالعزيز، واستمرت مسيرته عبر أبناء المؤسس، حتى وصل الوطن إلى ما نراه اليوم. فخور بقيادة بلادي، وبما أراه من طموح للمستقبل. وفخور بأبناء هذا الوطن الذين يحمل كل واحد منهم جزءًا من صورته.

قد تختلف قصصنا. قد نعيش في مدن مختلفة، ونمارس أعمالًا مختلفة، ونحمل أحلامًا مختلفة. لكن هناك شيئًا واحدًا يجمعنا: حب هذه الأرض التي نقول عنها جميعًا “وطننا”.

وفي يومها الوطني السادس والتسعين، لا أحتاج إلى أكثر من أن أنظر إلى الراية الخضراء وأتذكر كم من الأشياء أصبحت جزءًا من حياتي لأنها بدأت هنا.

هنا وُلدت ذكرياتي، هنا كبرت، وهنا عرفت معنى أن يكون للإنسان وطن يعود إليه. لذلك، حين أقول: أنا سعودي.

فأنا لا أقدم معلومة عن نفسي. أنا أقول شيئًا أحمله في داخلي. شيئًا يجعلني أرفع رأسي بفخر، وأقولها ببساطة لا تحتاج إلى زخرفة: هذا وطني، وهذه هويتي، وأنا ممتن وفخور بأنني أنتمي إليه.

كل عام والسعودية بخير وعز. وكل عام ورايتها عالية، وقيادتها وشعبها في خير. وكل عام وأنا سعودي، وأزداد فخرًا بذلك.

كاتب رأي 

عبدالعزيز سعود الحركان

أديب وكاتب سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.