كُتاب الرأي

النسخة القديمة منا

النسخة القديمة منا

عبدالعزيز الحركان

أحيانًا نعود إلى مكان قديم، فنشعر أن شيئًا فيه لم يعد كما كان. نقف في المكان نفسه، ونمشي في الطريق نفسه، وربما نلتقي الأشخاص أنفسهم، لكننا لا نشعر بأننا عدنا فعلًا. نكتشف بعد لحظات أن المكان لم يتغير، وإنما نحن الذين تغيرنا.

المشكلة أن الأماكن لا تعرف ذلك. المقهى القديم ما زال يضع الكراسي بالطريقة نفسها، والشارع ما زال يحتفظ بمنعطفه، والبيت ما زال يعرف أين كانت الغرفة التي قضينا فيها ساعات طويلة. حتى بعض الأشخاص يحتفظون بصورة قديمة عنا؛ يتحدثون معنا بالطريقة التي اعتادوها، وينادوننا بالاسم الذي كانوا يستخدمونه، ويتوقعون منا ردود الأفعال نفسها.

ثم نستغرب: كيف لا يرون أننا تغيرنا؟ والحقيقة أننا نحن أيضًا نفعل الشيء نفسه. نحتفظ بنسخ قديمة من الآخرين في ذاكرتنا، ثم نتفاجأ حين نكتشف أنهم لم يعودوا أولئك الذين عرفناهم. نريد من الزمن أن يغيرنا، لكنه لا يغير الآخرين بالسرعة التي نريدها. وهكذا يصبح الإنسان محاصرًا بين صورتين: الصورة التي يعرفها عن نفسه، والصورة التي يحتفظ بها الآخرون عنه. قد يراك أحدهم ذلك الشاب الذي كان يضحك من كل شيء، بينما أنت اليوم أكثر هدوءًا. وقد يراك آخر شخصًا مندفعًا، مع أنك أمضيت سنوات تتعلم التريث. وقد يظنك شخص ما قادرًا على تحمل كل شيء، فقط لأنك في الماضي لم تسمح له برؤية ما كان يحدث داخلك.

أحيانًا لا يكون أصعب ما في التغير أن تصبح شخصًا آخر. الأصعب أن تقنع الآخرين بأن الشخص الذي اعتادوه لم يعد موجودًا بالطريقة نفسها. فالناس يحبون النسخ التي يعرفونها. النسخة القديمة أكثر راحة، فهم يعرفون كيف يتحدثون معها، وماذا تتوقع منهم، وأين يمكن أن يضعوا حدودهم. أما الإنسان الذي تغير، فيحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة معه. وهذا عمل شاق.

لذلك قد يستمر بعض الناس في معاملتك وفق تاريخك، لا وفق حاضرك. خطأ ارتكبته قبل سنوات يصبح جزءًا من شخصيتك في ذاكرتهم. صفة كانت فيك ذات يوم تصبح حكمًا دائمًا. قرار قديم يظل دليلًا على أنك (هكذا)، وكأن الإنسان لا يملك حق تحديث نفسه. نحن نعيش في زمن تستطيع فيه الأجهزة أن تطلب منك تحديث النظام كل أسبوع، بينما بعض البشر يصرون على استخدام نسخة تعود إلى عشرين عامًا. والأمر لا يتعلق بالآخرين وحدهم. أحيانًا نحن الذين نرفض التخلي عن نسختنا القديمة. نقول: (أنا هكذا).

جملة قصيرة، لكنها تستطيع أن تغلق أبوابًا كثيرة. نستخدمها لتبرير غضبنا وعاداتنا وخوفنا، وحتى أخطائنا، مع أن الإنسان ليس تعريفًا ثابتًا.

ما كنت عليه قبل عشر سنوات ليس بالضرورة ما أنت عليه اليوم، وما تحتاجه اليوم قد يكون مختلفًا تمامًا عما كنت تريده بالأمس. هناك أشياء كنا نركض خلفها بكل قوتنا، ثم اكتشفنا أنها لم تكن تستحق كل ذلك الركض. وأشخاص كنا نظن أن وجودهم ضرورة، ثم تعلمنا كيف نمضي دونهم. وأحلام تغير شكلها. وأفكار سقطت من داخلنا دون جنازة. حتى مخاوفنا القديمة قد تصبح مضحكة حين ننظر إليها من مسافة كافية.

ومع ذلك، تبقى النسخة القديمة منا في مكان ما. تظهر أحيانًا في صورة قديمة، أو أغنية، أو رائحة، أو شارع، فنبتسم لها. لا لأنها أفضل منا، ولا لأنها كانت أسوأ، وإنما لأنها كانت تحاول أن تفعل ما تستطيع بالأدوات التي كانت تملكها آنذاك. وهذا ربما ما ينبغي أن نفعله معها: ألّا نحتقر الإنسان الذي كنا عليه، فهو الذي أوصلنا إلى هنا. قد نكون أكثر وعيًا الآن، وأكثر هدوءًا، وأكثر قدرة على الاختيار، لكن ذلك الإنسان القديم تحمل أشياء لم نكن نعرف كيف نحملها.

أخطأ، ووثق بمن لا يستحق، وخاف من أشياء لم تحدث، وأضاع وقتًا في أماكن لم تكن له، لكنه استمر. فليس مطلوبًا منا أن نبقى أوفياء إلى الأبد لشخص لم نعد نكونه.

هناك نسخة منا تركناها في سنوات بعيدة، ما زالت تقف في بعض الأماكن التي غادرناها، وتنتظر أشياء لم نعد نريدها، وتخاف من أشياء تجاوزناها منذ زمن. لا حاجة إلى محاكمتها. يكفي أن نتذكر أنها كانت نحن، وأنها فعلت ما استطاعت بما كان لديها من عمر ومعرفة وخوف. وربما أجمل ما يمكن أن نفعله تجاهها أن نترك لها مكانًا صغيرًا في الذاكرة، دون أن نعيدها إلى حياتنا. فبعض الأشخاص لا نودعهم لأنهم ماتوا، وإنما لأننا كبرنا.

وأحيانًا، حين ننظر خلفنا ولا نتعرف إلى الشخص الذي كان يملأ الصورة، لا يكون ذلك دليلًا على أننا ضللنا الطريق. قد يكون الدليل الوحيد أننا، للمرة الأولى، وصلنا إلى مكان لا تحتاج فيه النسخة القديمة منا إلى أن تعيش بالنيابة عنا.

كاتب رأي

 

 

عبدالعزيز سعود الحركان

أديب وكاتب سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.