بعد تسعة أشهر.. ما الذي بقي من الحرب؟

بعد تسعة أشهر.. ما الذي بقي من الحرب؟
بقلم: عبدالمحسن محمد الحارثي
بعد قرابة تسعة أشهر من اشتعال الحرب، لم يعد السؤال: كيف بدأت؟ ولا من أطلق الرسالة الأولى؟ فهذه مرحلة تجاوزتها الوقائع. لقد حُسمت إجراءات كثيرة، وتحددت مواقع، وعُززت دفاعات، وانكشفت قدرات، وتشكلت مواقف وتحالفات، وعرفت كل دولة شيئًا من مصادر الخطر القريب والبعيد.
لكن الحرب، وإن حُدّت بعض مساراتها، تترك أثرها قائمًا ما دامت مشتعلة. فالنار لا تقف عند جبهة القتال؛ وإنما تمتد إلى الاقتصاد، والملاحة، والطاقة، وسلاسل الإمداد، وثقة الناس بالمستقبل، وحسابات المستثمرين، وقرار الدولة في التنمية والأمن معًا.
لقد أظهرت الأشهر الماضية أن الصاروخ والمسيّرة ليسا الخطر كله. فالخطر الأبعد هو الاستنزاف: أن تبقى الدول في حال إنذار طويل، وأن تُستهلك ميزانياتها في الحماية العاجلة، وأن تتأخر المشاريع، وأن ترتفع كلفة النقل والتأمين والطاقة، وأن يصبح القلق جزءًا من الحياة اليومية. وهذا هو المكسب الذي يبحث عنه من لا يستطيع حسم الحرب: إطالة أمدها حتى تتحول كلفتها إلى عبء دائم على خصومه.
ومن هنا، فإن قراءة المستقبل لا تبدأ من تعداد الضربات، وإنما من فهم ما بعد الضربة. الأردن مثلًا لم يعد ينظر إلى أمنه بوصفه شأنًا حدوديًا صرفًا، وكذلك دول الخليج والبحر الأحمر؛ فالمعركة أثبتت أن المجال الجوي والممرات البحرية والمنشآت الحيوية حلقات في سلسلة واحدة. وما كان يُحسب خطرًا محليًا، ظهر أنه تهديد إقليمي لا يحترم الخرائط.
وقد انكشفت أيضًا حقيقة مهمة: من يملك القدرة على توجيه البوصلة نحو الثغرات، لا يحتاج إلى الانتصار العسكري الكامل. يكفيه أن يفرض على خصمه كلفة متصاعدة، وأن يدفعه إلى ردود فعل متفرقة، وأن يطيل زمن القلق. أما الدول التي اكتشفت مواطن ضعفها خلال هذه الأشهر، فالمطلوب منها ألا تعود إلى اطمئنان ما قبل الحرب، وأن تحوّل ما كشفته التجربة إلى إجراءات دائمة.
فالحسم المقبل ليس بالضرورة حسمًا ميدانيًا، وإنما هو حسم للقدرة على الصمود؛ حسم في ربط الدفاعات، وتبادل المعلومات، وتأمين الإمداد، وحماية الاقتصاد، وتكامل التحالفات. فالمشكلة ليست في وجود تحالفات متعددة، وإنما في أن تظل بينها فراغات قرارية أو لوجستية يستثمرها الآخرون. وبعد تسعة أشهر، يجب أن تتحول تلك التحالفات من تفاهمات وقتية إلى بنية مستمرة لا تتبدد بانطفاء الحدث.
وما تحتاجه المنطقة اليوم هو الانتقال من إدارة الطوارئ إلى إدارة الأثر: حماية التجارة والملاحة، ودعم الدول الواقعة على خطوط التماس، وتقوية الصناعة الدفاعية وسلاسل التوريد، وتخفيف العبء الاقتصادي عن المجتمعات، حتى لا يصبح المواطن هو الحلقة الأضعف في حرب لم يخترها.
أما من يراهن على اقتصاد الحرب، فإنه يراهن على طول الطريق. فكل يوم إضافي يفتح سوقًا للسلاح، ويرفع فاتورة الحماية، ويؤجل الاستقرار، ويُغري من ينتظر مكسبًا من الخراب أو إعادة الإعمار. ولذلك فإن صناعة السلام ليست هدنة شكلية، وإنما قرار يُغلق منافذ الاستنزاف، ويجعل استمرار الحرب أقل جدوى من إيقافها.
بعد تسعة أشهر، لم يعد المطلوب أن نعرف من يطلق الصاروخ فقط، وإنما أن نعرف كيف نمنع الصاروخ من أن يغيّر مسار اقتصادنا، ووحدة قرارنا، ومستقبل أجيالنا.
الحرب قد تستمر في السماء، لكن الخطر الأكبر أن تستقر آثارها في الأرض؛ والأمن الحقيقي هو أن نمنعها من احتلال المستقبل.
كاتب رأي
