كُتاب الرأي

نفوذ المليشيات العراقية المرتبط بولاية الفقيه الإيراني)

نفوذ المليشيات العراقية المرتبط بولاية الفقيه الإيراني)

 محمد سعد الربيعي

بعد غياب فترة ليست بالقصيرة عن صحيفة آخر أخبار الأرض، ومشاركتي فيها منذ بدء التأسيس، أرى الآن أن هذه الصحيفة، ولله الحمد، وقفت على أرجلها، وأصبحت تزخر بالعديد من الكتّاب المميزين في طرحهم وتألقهم الصحفي، الذي أتابعه عن بُعد نتيجة ابتعادي عن الصحيفة، كما أشرت، لظرف خاص. وقد تلقيت العديد من الاتصالات من الأخ الزميل محمد الفريدي، الذي قدّر ظروفي، وحتى قبل يومين تلقيت رسالة من الأستاذة ابتسام. وبعد زوال ذلك الظرف الذي شغلني عن متابعة الكتابة، وتحقيقًا لرغبة الزميل محمد والأستاذة ابتسام في عودتي إلى الصحيفة، تناولت في هذا المقال موضوعًا آمل أن ينال استحسان الزملاء في الصحيفة، وأن يعذروني عن أي نقص.

وعودًا على بدء، أود التطرق إلى الموضوع الوارد في عنوان المقال، والمتعلق بارتباط المليشيات العراقية بإيران ونفوذها الكبير على الساحة العراقية، التي أضحت فيها سلطة بغداد تقتصر على المنطقة الخضراء فقط! وربما لا تسيطر عليها أيضًا.

ومن غير المستغرب أن تتولى هذه المليشيات تقاسم النفوذ في العراق من خلال قيادات عراقية شيعية عميلة لنظام طهران، وتحظى بدعم نظام آيات إيران الإرهابي، الذي خلق تلك الذيول وكلفها بالدفاع عن مصالح إيران ومشاريعها التوسعية في المنطقة. ولعل حزب اللات كان من أوائل تلك الذيول وأشدها نفوذًا في لبنان في فترات سابقة، وقد استطاع حينذاك السيطرة على القرار السياسي والاقتصادي والأمني في بيروت، ووصل به الحد إلى التدخل في تعيين الوزراء ورؤساء حكومات لبنان، حتى قبيل هلاك زعيمه نصر اللات في الحرب الأخيرة بين أمريكا وإسرائيل ضد نظام طهران، التي لا تزال رحاها تدور في مضيق هرمز.

ثم يأتي بعد النفوذ الإيراني في لبنان النفوذ في العراق، الذي تمثل فيه المليشيات الإيرانية أشد خطرًا على نظام بغداد، الذي أصبح مكتوف الأيدي عن التحرك لإيقافها نتيجة العمالة لإيران والإملاءات الإيرانية ضد أي حكومة عراقية تتولى السلطة في بغداد! ومن ثم الحوثيون في اليمن، الذين يشكلون الآن مع مليشيات العراق رأسي حربة إيرانية في المنطقة، ناهيك عن أن إيران سبق أن أنشبت مخالبها في سوريا والسودان والمغرب، لكنها أُخرجت بالقوة من هذه الدول التي تنبهت إلى الخطر المحدق بها من تصدير الثورة الإيرانية. ولم تلبث إيران، بعد خروجها من هذه الدول، أن توجهت إلى الجزائر، التي بدأ ينشط فيها التشيع الإيراني وتصدير الثورة الشيعية إلى آسيا ووسط أفريقيا وغربها وشمالها منذ زمن بعيد، وعند مجيء الهالك الخميني، وهكذا دواليك.

بالطبع، لن يهدأ لنظام ملالي إيران وولاية الفقيه بال عن محاولة ابتلاع الدول الصغيرة في المنطقة، وهذا ما سبق أن تطرقت إليه في العديد من المقالات التي نشرتها صحيفتنا عن التغول الإيراني في المنطقة، وبالتحديد في دول الخليج والدول العربية الأخرى. فإيران ترى أنه لا بد من تغيير أنظمة هذه الدول وتدميرها، كما دمرت العراق وجعلته مسرح بكائيات ورايات سوداء طوال العام. والأدهى من ذلك أن أصحاب الشيم والهامات العراقية أصبحوا يلعقون أقدام المجوس في كربلاء وساحات بغداد! وتعمل إيران على تنصيب أذيالها لاستلام القيادة فيها، أي في الدول التي تستهدفها! ولعل الحرب الأمريكية الأخيرة كشفت عن هذا المخطط الشرير، فقد اكتُشف في الكويت والإمارات والبحرين وقطر العديد من الخلايا والعناصر الاستخبارية التي كانت على وشك الانقضاض على سلطات هذه الدول وتغييرها من خلال عناصر إيرانية استخبارية، وأخرى محلية من مكونها الشيعي الذي ينفذ سياسة ملالي طهران.

وحقيقة، يطول الحديث عن هذا التغول الإيراني المجوسي الشيعي في المنطقة، الذي صدّرته إيران تحت عنوان تصدير الثورة الإيرانية، والذي يهدف بالأساس، كما أشرت، إلى القضاء على حكومات المنطقة المعتدلة واستبدالها بذيول عميلة، كما يحدث الآن في العراق. فللأسف، فقدت بغداد بوصلتها العربية وأصبحت تابعة لنظام الولي الفقيه في طهران. ولعل هذه السيطرة حدثت منذ سقوط نظام صدام حسين، الذي لم يقرأ الواقع حينذاك، ولم يتنبه إلى دور إيران الخبيث بعد هزيمتها في حرب الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي، عندما كانت المملكة ودول الخليج داعمة لنظام صدام، الذي استقوى بعد ذلك على جارته الصغيرة الكويت وحاول ابتلاعها.

إن ما يحدث في بغداد من هذه المليشيات يُعد أمرًا خارجًا عن سيطرة السيد فالح الزيدي، المنتمي إلى ائتلاف دولة القانون الذي يقوده المالكي، ويضم بعض القوى الشيعية المؤثرة المرتبطة بإيران. وقد كانت للسيد فالح وحكومته في بغداد بعض المحاولات الخجولة لسحب أسلحة تلك المليشيات الشيعية في العراق، لكنه اصطدم بالتدخل السافر الإيراني، الذي وصل به الحد إلى بعث أعلى قيادات نظام الولي الفقيه إلى بغداد، كرئيس الحرس الثوري ووزير خارجية نظام طهران وغيرهما من القيادات المؤثرة في النظام، حاملين رسائل تحذيرية، وربما عقابية، للزيدي وحكومته عند إقدامها على سحب السلاح من تلك المليشيات، فضلًا عن وقوف نوري المالكي في وجه الزيدي، الذي جيء به من ائتلاف نوري شخصيًا، بعد رفض ترشح الأول للانتخابات أمريكيًا. وهو ما جعل حكومة الزيدي تعيد النظر في ذلك، وتوقف تلك العملية، وتدعي تأجيلها لعام آخر، في محاولة لذر الرماد في العيون أمام من كان يتوقع صلابة موقف الزيدي وقدرته على مواجهة النفوذ الإيراني في العراق.

هذا، ومن غير المنتظر أن يحدث أي انفراجة أو خير للعراق والمنطقة بشكل عام على يد الزيدي وحكومته، التي تُدار بالريموت كنترول من طهران، وبعميلها نوري المالكي، الذي يُعد أحد أخطر عملاء إيران الذين تعتمد عليهم، مثله مثل نبيه بري، الذي لا يزال يقف في وجه حكومة لبنان من أجل منع نزع سلاح حزب اللات الإيراني في بيروت. والمشهدان يتكرران نتيجة نفوذ طهران وقدرتها على خلق ذيول وطنية في الدول المستهدفة، تتسم بالعمالة والخيانة لبلدانها الأصلية وارتباطها بنظام ملالي إيران. وهذا ليس بعيدًا عن الكويت وقطر والإمارات والبحرين بالذات، التي مثّلت هذه الحرب الأخيرة فيها انكشاف أوراق إيران في هذه الدول، التي ربما كانت على حافة الهاوية من السقوط في براثن التدخلات الإيرانية السافرة في المنطقة.

وعلى عجالة، نعود إلى مليشيات العراق، التي أضحت مكشوفة العورة أمام استهداف القوات الجوية السعودية الباسلة، التي ضربتها من دون هوادة، وأعلنت ذلك على الملأ من دون أن تتوارى خلف طيران مجهول. وزادت المملكة على ذلك، فبعثت من يثبت حال تلك المليشيات، وانطلاق طائراتها المسيرة الإيرانية الصنع من مختلف المواقع في عدة مدن عراقية، عندما حاولت حكومة الزيدي التملص من تلك الهجمات التي انطلقت من العراق، إضافة إلى هلاك الكثير من عناصر وقيادات تلك المليشيات، ومنهم خبراء إيرانيون كانوا يوجهون تلك المسيرات إلى بعض المصالح السعودية، ونقلت وسائل الإعلام العراقية ذلك في مشهد يزكم الأنوف!

وتأسيسًا على ذلك، تردد بعض مسؤولي حكومة الزيدي على المملكة في محاولة لتبرير الموقف الرسمي العراقي، لكنهم لم يسمعوا منها إلا صلابة الموقف السعودي القوي، المتضمن أنه في حال عودة تلك المليشيات إلى توجيه مسيراتها نحو المملكة، فسيتم تدميرها جميعًا. وعلى إثر ذلك، تراجعت تلك المليشيات وخشيت من الموقف السعودي الحازم، الذي وصل إلى طهران الراعية لتلك القيادات العميلة لها، والتي ربما تفقد سلطتها، وربما أعناقها، جراء الاستهداف السعودي عند عودتها إلى نشاطها المليشياوي في المنطقة.

وكخاتمة لهذا المقال، فإن حكومة الزيدي تقف عاجزة أمام نشاط مليشيات إيران في بغداد، كما تقف في الحال نفسه حكومة نواف سلام في بيروت. والحال نفسه في شرعية اليمن التي يقودها العليمي، وتؤرقها شرذمة حوثية لا تتعدى الآلاف، بينما يقف ما يقارب خمسة وعشرين مليون يمني شمالي عاجزًا أمام هذه الشرذمة العميلة لإيران، في موقف المتفرج أمام كل تلك الاعتداءات الصارخة من تلك المليشيات، التي انتهكت الأعراض، وقتلت الأبرياء، وهدمت الدور والمساجد، أمام حفنة عفنة ترتبط ارتباطًا روحيًا بولاية الفقيه في طهران.

كاتب رأي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.