كُتاب الرأي

(هرطقة أوروبا السياسية)

(هرطقة أوروبا السياسية)

محمد سعد الربيعي

تطرقت في مقال سابق في صحيفتنا هذه لمقال كان بعنوان (أوروبا وحرب الشرق الأوسط)، وهو عن محاولة الرئيس الأمريكي إقناع دول أوروبا بأهمية المواجهة مع إيران، وما وصل له ترامب من خيبة أمل في الموقف الأوروبي من بريطانيا التي كان يعول عليها (ترامب) كثيراً في هذه الحرب، وخاصة ولديهم (الأمريكان) تجربة جيدة مع البريطانيين في غزو العراق عندما كان توني بلير يمثل ذلك الموقف الصلف في تبني كل المواقف العدائية تجاه بغداد مع الابن بوش، وما تم بعد ذلك من تسليم العراق على طبق من ذهب لطهران.. الخ المقال المشار له الذي أكدت فيه ضعف وتنازع الأوروبيين بين موالٍ لإيران كفرنسا، وداعم لها في الخفاء كألمانيا التي تنظر للعرق الإيراني بالآري المتطابق لعرقها الآري الألماني، ناهيك عن خشية رئيس الوزراء البريطاني العمالي كير ستارمر! من الاقتراب، وليس الدخول أو دعم ترامب في هذه الحرب.

ولعل ما يقود لهذه الممانعة الأوروبية الضعيفة التي فقدت فيها توازنها الدولي والعسكري هو خشيتها من إيران، وعملياتها الإرهابية، حيث تعيش هذه الدول في ضعف تام، وفي نفس الوقت ضعف يلفه الغموض الكبير مما قد يحدث مستقبلاً من نتائج لهذه الحرب وفق تخرصاتهم التي توقعوا فيها هزيمة أمريكا، وبالتالي نأوا بأنفسهم عنها خشية ذلك، مع خوفهم من الذئاب المنفردة التي تديرها إيران بناءً على خلفيتها في تنفيذ أعمال إرهابية في كل أوروبا مجتمعة دون أن تعبأ لهم بذلك.

ولعل المتابع لهذه الحرب أيضاً التي تديرها أمريكا بمشاركة إسرائيلية فاعلة يلاحظ أن دول أوروبا خذلت الرئيس الأمريكي، بل كانت معول هدم كبيرة في محاولة التأثير عليها (الحرب) من حيث عدم تأييدها لها أو المشاركة أو الدعم لها من كل الجوانب اللوجستية والعسكرية، وكذلك الإثخان في عضد الرئيس الأمريكي ترامب بعدم جدوى حربه مع إيران تحت ادعاءات واهية تمثل هذا الموقف الأوروبي الضعيف، وهو أنه أي (ترامب) لم يستشر الأوروبيين في الدخول في هذه الحرب.

الآن وبعد أن هدأت أصوات المدافع وتبين للأوروبيين انتصار ترامب، واستمرار إيران في أعمالها الإرهابية والابتزازية للعالم من خلال الرهان على مضيق هرمز الذي يعد كشريان للدول الأوروبية، وغلقه أمام الأساطيل الدولية التي تغذي أوروبا والصين واليابان والهند وبعض دول العالم التي تعتمد على بترول المملكة ودول الخليج، وكذلك إيران نفسها، قامت في الحين هذه الدول (الأوروبية) بالطبع الفاعلة منها بمحاولة الالتفاف على الدور الأمريكي في عقد اجتماعات دولية تبحث فيها عن حماية مضيق هرمز ومنع سيطرة إيران عليه، وكأنها تريد أن تقول لترامب نحن لحقنا بك فأشركنا في التحرك معك على المضيق، ولكنه لم يلتفت لهم بل شكر المملكة وقطر والإمارات على دورها في الوقوف معه في سياسته المتضمنة ضرورة فتح مضيق هرمز.

لم تقف المحاولات الأوروبية عند هذا الحد، بل حاولت الدخول كوسيط بين إيران وأمريكا في محاولة لردم الهوة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه يتضح أن الرئيس ترامب اتخذ قراره بعدم قبول وساطة الأوروبيين والاكتفاء بالدور الباكستاني في هذه المرحلة، وكذلك عدم إشراكهم أي (الأوروبيين) في أي خطط قد تتخذها أمريكا مع إيران بشأن هذه الحرب ونتائجها.

رغم ما تعرفه أوروبا مجتمعة عن دور إيران الإرهابي في العالم، ودعمها للفوضى في المنطقة، ونشر ذيولها وعناصرها الاستخبارية في الكثير من دول العالم ومنها أوروبا التي ضاقت ذرعاً من هذا النشاط، إلا أن موقفها كان هزيلاً، بل كان يشوبه الخوف من هذا النظام رغم ما تملكه هذه الدول من إمكانيات في مواجهة تصاعد الموقف الإيراني الفوضوي الإرهابي في دولها، وكان من الممكن وحفظاً لماء وجه دولها أن تلتحم مع الموقف الأمريكي وتتشارك معه ميدانياً وعسكرياً في القضاء على حكم آيات طهران الإرهابي، ولعلنا نستخلص من هذا الموقف هو خسة ودناءة موقف أوروبا، ودعمها هي لفوضى طهران التي ترى فيها أن إحداث القلاقل في منطقة الشرق الأوسط هو خدمة لأنظمتها الأوروبية الضعيفة، وأنها في وضع كهذا غير مستقر تقوده طهران تجد أوروبا نفسها في الدخول كبائعي أسلحة أو القيام بأدوار شريرة في زرع الفتنة، ثم بعد ذلك الدخول في وساطات هزلية لا تريد منها سوى صب الزيت على النار، وهي بمعنى آخر لا تريد استقرار الشرق الأوسط وانصراف دوله لتنمية المنطقة وشعوبها، حيث ترى في ذلك اضمحلالاً لدورها الاستعماري الذي لا زال عالقاً في عقول قادتها المرتعدة فرائصها من إيران ونظامها الإرهابي!

كاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى