كُتاب الرأي

الوقف العلمي

الوقف العلمي

استثمارٌ يبني العقول ويصنع المستقبل

بقلم: بكري عساس

يُعد الوقف من أعظم صور الصدقة الجارية التي حثّت عليها الشريعة الإسلامية، وهو أحد أهم الأدوات الحضارية التي أسهمت عبر التاريخ في نشر العلم وبناء المؤسسات التعليمية وترسيخ التنمية المستدامة. وقد فسر كثير من العلماء الصدقة الجارية بالوقف؛ لما يحققه من نفعٍ متواصل يمتد أثره لأجيال متعاقبة.

ولقد أدرك المسلمون الأوائل أهمية العلم في نهضة الأمم، فارتبط الوقف منذ وقت مبكر بالمدارس والمكتبات ودور العلم. وأسهمت الأوقاف في تمويل حلقات التدريس، وتأمين الكتب، وتوفير السكن والإعاشة للطلاب، ورعاية العلماء والباحثين. ومن أشهر النماذج التاريخية الوقفية الجامعة الإسلامية العريقة الأزهر الشريف، الذي استفاد لقرون طويلة من أوقاف خصصت للإنفاق على التعليم وطلابه، كما ازدهرت مدارس نظام الملك في بغداد بفضل الأوقاف التي ضمنت استمرارية رسالتها العلمية.

وفي الأندلس وبلاد الشام ومصر، لعبت الأوقاف دوراً محورياً في إنشاء المكتبات العامة ودعم البحث العلمي، حتى أصبحت المعرفة متاحة لشرائح واسعة من المجتمع. ولم يكن الوقف مقتصراً على بناء المؤسسات، بل شمل أيضاً تمويل المنح الدراسية وتوفير الأدوات التعليمية ومساعدة الطلاب غير القادرين.

وفي العصر الحديث، واصلت الجامعات العالمية الاستفادة من فلسفة الوقف التعليمي وتطويرها. فجامعات مرموقة مثل هارفارد وييل وستانفورد وأكسفورد وكامبردج تعتمد على أوقاف واستثمارات ضخمة تمثل أحد أهم مصادر تمويلها. وقد أسهمت هذه الأوقاف في دعم البحوث العلمية، واستقطاب الكفاءات الأكاديمية، وتوفير المنح الدراسية، وتعزيز الاستقلال المالي لتلك الجامعات.

كما برزت في العالم العربي والإسلامي تجارب واعدة في مجال الوقف العلمي، من بينها جامعة الفيصل في الرياض وجامعة عفت في جدة، إضافة إلى مبادرات وقفية متنامية تدعم البحث العلمي والابتكار وريادة الأعمال. وتؤكد هذه التجارب أن الوقف ليس مجرد مصدر تمويل، بل شراكة مجتمعية تسهم في صناعة المعرفة وتنمية رأس المال البشري.

ومع تزايد التحديات الاقتصادية وارتفاع تكاليف التعليم والبحث العلمي، أصبحت الحاجة أكثر إلحاحاً إلى تنويع مصادر تمويل الجامعات وعدم الاعتماد الكامل على الدعم الحكومي. فالوقف العلمي يوفر مورداً مستداماً يضمن استمرارية البرامج الأكاديمية والبحثية، ويساعد المؤسسات التعليمية على التخطيط طويل المدى وتحقيق التميز والتنافسية.

ومن هنا تبرز أهمية نشر ثقافة الوقف بين أفراد المجتمع، وتعزيز الوعي بأثره في التنمية الوطنية، وتشجيع رجال الأعمال والمؤسسات والأفراد على الإسهام في إنشاء أوقاف تعليمية وبحثية. كما ينبغي للجامعات أن تُعنى بالدراسات الوقفية وأن تدرج موضوعاتها ضمن برامجها الأكاديمية؛ لتخريج كوادر قادرة على تطوير هذا القطاع الحيوي.

إن الاستثمار في الوقف العلمي هو استثمار في الإنسان، والإنسان هو الثروة الحقيقية للأمم. وكل وقف يُوجَّه إلى التعليم والمعرفة إنما يضع لبنة جديدة في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.