كُتاب الرأي

ورقة أينشتاين… وقلم تلميذه

ورقة أينشتاين… وقلم تلميذه

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

في عام 1922م، زار عالم الفيزياء الأمريكي من أصل ألماني ألبرت أينشتاين اليابان في جولة علمية لإلقاء عدد من المحاضرات. وخلال وجوده في طوكيو تلقى نبأ فوزه بجائزة نوبل في الفيزياء تقديرًا لإسهاماته في الفيزياء النظرية، ولا سيما تفسيره لظاهرة التأثير الكهروضوئي. ويروى أنه عندما حضر أحد موظفي الفندق أو ساعي البريد لتسليمه رسالة، لم يكن أينشتاين يحمل نقودًا يقدمها له إكرامية، فكتب على ورقة تحمل شعار فندق «إمبريال» عبارة قصيرة ووقعها، ثم نصحه بالاحتفاظ بها لأنها قد تصبح يومًا أكثر قيمة من أي إكرامية.

وبعد خمسةٍ وتسعين عامًا، عُرضت تلك الورقة في مزاد علني عام 2017، وبيعت بمبلغ يقارب 1.3 مليون دولار، بعدما دوّن عليها أينشتاين عبارته الشهيرة: «حياة هادئة ومتواضعة تجلب قدرًا من السعادة أكبر من السعي وراء النجاح المصحوب بالقلق والتعب المستمر». وقد تحولت تلك الكلمات إلى واحدة من أشهر الرسائل الإنسانية المنسوبة إليه.

وفي المقابل، تحمل سيرة العالم الفيزيائي العراقي الكبير البروفسور عبد الجبار عبد الله قصة مؤثرة لا تقل عمقًا. فقد كان من أبرز العلماء العرب، وتتلمذ على يد ألبرت أينشتاين خلال دراسته العليا، ثم أصبح رئيسًا لجامعة بغداد وأحد أعلام الفيزياء في العالم العربي. وبعد أحداث عام 1963م اعتُقل، وتعرض للإهانة على يد أحد طلابه السابقين الذي صادر قلمًا كان أينشتاين قد أهداه إليه يوم نيله الدكتوراه، وهو قلم ثمين من الياقوت الأحمر ظل يحتفظ به سنوات طويلة، ولم يكن يستخدمه إلا لتوقيع شهادات الدكتوراه لطلابه.

وحين سُئل لاحقًا عن أكثر ما آلمه في تلك التجربة، لم يذكر الاعتقال ولا المنصب الذي فقده، وإنما تحدث بحرقة عن فقدان ذلك القلم، لأنه كان يرمز إلى علاقة علمية وإنسانية جمعته بأستاذه الكبير.

تميز أينشتاين بالتواضع والبساطة رغم شهرته العالمية، وكان يرى أن قيمة الإنسان فيما يقدمه للبشرية لا فيما يملكه من مال أو جاه. وقد كرّس حياته للبحث العلمي، ودافع عن السلام، وحذر من مخاطر الحروب النووية، وكان يؤكد دائمًا أن «الخيال أهم من المعرفة»، وأن الفضول وحب الاكتشاف هما المحرك الحقيقي للتقدم.

إن قصة الورقة التي أصبحت ثروة، وقصة القلم الذي صار ذكرى لا تُقدَّر بثمن، تكشفان أن القيمة الحقيقية للأشياء ليست في مادتها، بل فيما تحمله من معانٍ ورموز. فالمال يفنى، أما العلم والأثر الطيب فيبقيان. ولعل أجمل ما يُختتم به هذا المقال قول أينشتاين: «إن تحقيق هدفٍ طال السعي إليه لا يضمن السعادة، وإنما السعادة الحقيقية في أن يعيش الإنسان حياةً متوازنة، هادئة، وذات معنى».

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.