برج الموت في لندن

برج الموت في لندن
صدفة أم أسرار خفية؟
بقلم: د. بكري عساس
في بعض المدن، تتحول الأبنية مع مرور الزمن إلى خزائن صامتة تحفظ حكايات لا تنتهي. وفي قلب لندن، ارتبط برج ستيوارت بحكاية غامضة؛ ثلاثة مصريين من عالمَي الفن والسياسة، جمعتهم نهايات مأساوية من شرفات المبنى نفسه، وفي أعوام متباعدة، حتى صار البرج شاهدًا صامتًا على قصص لم تستطع الأسئلة الكثيرة أن تطوي صفحاتها.
يقع برج ستيوارت السكني في غرب العاصمة البريطانية لندن، ويتكون من خمسة عشر طابقًا. وقد اشتهر بعد أن شهد سقوط ثلاث شخصيات مصرية شهيرة: اللواء الليثي ناصف، أول قائد ومؤسس للحرس الجمهوري في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والفنانة والممثلة سعاد حسني، والمستشار السياسي للرئيس أنور السادات السيد أشرف مروان، زوج السيدة منى، ابنة الرئيس جمال عبد الناصر.
كانت البداية مع اللواء الليثي ناصف، الذي لقي حتفه في أغسطس عام 1974م، بعد سقوطه من شرفة وحدته السكنية في الطابق الحادي عشر من البرج. وكان ناصف من المقربين إلى الرئيس جمال عبد الناصر، الذي اختاره لتأسيس الحرس الجمهوري، فأصبح أول قائد له. وبعد تولي أنور السادات الحكم، استدعاه وطلب منه اعتقال مجموعة من مراكز القوى التي كانت تحاول الإطاحة بحكمه.
وبعد نحو ثمانية وعشرين عامًا، وقعت حادثة السقوط الثانية، وكانت من نصيب الفنانة الشهيرة سعاد حسني، التي سقطت من شرفة الدور السادس في البرج نفسه، وبطريقة مشابهة لوفاة اللواء الليثي ناصف. وأثير جدل واسع حول أسباب وفاتها، ومن بين الفرضيات التي طرحت فرضية الانتحار، خاصة مع ما تردد عن تلقيها علاجًا للاكتئاب قبيل وفاتها. لكن شقيقتها رفضت هذه الفرضية، وأشارت إلى صعوبة قص السلك الحديدي المحيط بالشرفة من جميع الجهات.
ثم وقعت الحادثة الثالثة عام 2007م، وكانت من نصيب المستشار ورجل الأعمال أشرف مروان، الذي عمل مستشارًا سياسيًا وأمنيًا للرئيس أنور السادات، وكان قبل ذلك يعمل في معامل القوات المسلحة المصرية، ثم تدرج حتى وصل إلى منصب مساعد الرئيس جمال عبد الناصر. وتشير التقارير إلى أنه كان على وشك الانتهاء من كتابة مذكراته الشخصية قبل سقوطه، وأن عائلته لم تعثر عليها بعد الحادثة، وهو ما غذّى فرضية الاغتيال.
وقعت الحوادث الثلاث في وضح النهار، ولم تتمكن الشرطة من حسم ملابساتها، رغم وجود كاميرات مراقبة في المكان، إلا أن تعطلها حال دون التوصل إلى تفسير حاسم. وهكذا بقي برج ستيوارت مرتبطًا بثلاث نهايات مصرية مأساوية، وظلت الأسئلة معلقة: هل كانت تلك السقوطات حوادث عابرة، أم أن وراء بعضها أسرارًا لم تكشفها الأيام؟
ربما لا يملك التاريخ دائمًا الإجابة الأخيرة، لكنه يحتفظ بالأسئلة. ولهذا ظل برج ستيوارت في هذه القصة مبنىً يعرف أكثر مما يقول، وشاهدًا صامتًا على حكايات انتهت حياة أصحابها، بينما بقيت أسرار نهاياتهم معلقة بين الحقيقة والاحتمال.
كاتب رأي
