كُتاب الرأي

حضرموت والتجربة المونتينيغرية

حضرموت والتجربة المونتينيغرية

تقف حضرموت اليوم أمام فرصة سياسية مختلفة عن كل المراحل السابقة. فالأزمة السياسية والدستورية في اليمن، أنتجت واقعًا جديدًا تراجعت فيه قدرة السلطة المركزية على ممارسة وظائفها بصورة موحدة، وظهرت ترتيبات سياسية وأمنية وإدارية بحضرموت بوصفها حالة خاصة أصبحت جزءًا من الواقع الذي لا يمكن تجاهله عند التفكير في مستقبل اليمن، بما تمتلكه من مساحة واسعة، وموارد نفطية، وموقع جغرافي استراتيجي، وخصوصية اجتماعية وتاريخية، وبما راكمتها خلال سنوات الحرب من مؤسسات وترتيبات محلية.

لكن الصحيح هو ان قوة حضرموت في قدرتها على تحويل هذه المعطيات إلى مشروع سياسي قابل للتفاوض. وهنا تحديدًا تصبح تجربة الجبل الأسود جديرة بالتأمل، ليس لأن حضرموت هي الجبل الأسود، ولا لأن ظروف الحالتين متطابقة، وإنما لأن تجربة مونتينيغرو تقدم درسًا مهمًا في كيفية الانتقال من مطلب سياسي شديد الحساسية، هو الاستقلال، إلى مسار دستوري تفاوضي انتهى بإعطاء السكان حق تقرير مستقبلهم بأنفسهم.

في 14 مارس/آذار 2002، توصلت صربيا والجبل الأسود إلى اتفاق في بلغراد، بوساطة الاتحاد الأوروبي ومشاركة خافيير سولانا، لإعادة تنظيم العلاقة بين الطرفين. وكان جوهر الاتفاق هو تجنب خيارين متطرفين: فرض استمرار الاتحاد إلى الأبد، أو الذهاب مباشرة إلى الانفصال. فبدلًا من ذلك، جرى الاتفاق على إعادة بناء العلاقة ضمن إطار دستوري جديد. وبعد ذلك جاء الميثاق الدستوري لصربيا والجبل الأسود عام 2003، وكان أهم ما فيه بالنسبة إلى مستقبل الجبل الأسود المادة 60، التي أتاحت، بعد مرور ثلاث سنوات، بدء إجراءات إعادة النظر في الوضع، بما في ذلك الانسحاب عبر استفتاء.

هذه النقطة هي جوهر التجربة كلها. فالجبل الأسود لم يحصل في البداية على الاستقلال، وإنما حصل على حق الوصول إلى الاستفتاء. لم تكن النتيجة مقررة مسبقًا في النص، وإنما جرى الاتفاق على آلية يستطيع الشعب من خلالها أن يقرر. وبعد انتهاء الفترة المحددة، جرى التفاوض على قواعد الاستفتاء، وعلى نسبة التأييد المطلوبة، وعلى إدارة العملية ومراقبتها دوليًا. وفي 21 مايو/أيار 2006 صوّت سكان الجبل الأسود، وجاءت النتيجة لصالح الاستقلال، ثم أعلنت الدولة استقلالها في يونيو/حزيران من العام نفسه.

الدرس الذي يمكن أن تستخلصه حضرموت من هذه التجربة هو أن المعركة السياسية الأذكى ليست بالضرورة أن تبدأ بالمطالبة بالنتيجة النهائية. فإذا قالت حضرموت منذ البداية: “نريد الاستقلال”، فإنها تضع الحكومة اليمنية أمام خيارين فقط: القبول أو الرفض. أما إذا كان المطلب هو: “نريد اتفاقًا يضمن لشعب حضرموت حق تحديد وضعه السياسي بنفسه في مرحلة لاحقة، من خلال استفتاء حر ونزيه”، فإن طبيعة المعركة تتغير بصورة جوهرية.

فالمطلوب في المرحلة الأولى ليس انتزاع الاعتراف بدولة حضرمية مستقلة، وإنما انتزاع الاعتراف بأن مستقبل حضرموت لا يمكن أن يقرر من خارجها. وهذا يمكن أن يكون نقطة التقاء بين أطراف قد تختلف جذريًا حول النتيجة النهائية. الحكومة اليمنية قد لا تقبل اليوم بمبدأ استقلال حضرموت، لكنها قد تكون أمام واقع سياسي يجعل إعادة تنظيم وضع حضرموت مع اليمن أمرًا لا يمكن تجاهله مثلا اتحاد اليمن وحضرموت. والسعودية، التي تنظر إلى أمن حضرموت واستقرارها باعتبارهما جزءًا من أمنها الإقليمي، يمكن أن تلعب دور الوسيط والضامن في تسوية كهذه.

وهنا يجب أن يكون الخطاب الحضرمي أكثر ذكاءً. المطلوب من الرياض ليس أن تقول منذ اليوم “نحن مع استقلال حضرموت”، وإنما أن تساعد على إنشاء مسار سياسي يضمن للحضارم حق إدارة شؤونهم وتحديد مستقبلهم بصورة سلمية. وهذا أكثر قابلية للتسويق إقليميًا ودوليًا، خصوصًا أن المواقف السعودية المعلنة تركز على خفض التصعيد والحلول السياسية والحفاظ على استقرار اليمن ووحدته. ولذلك فإن طرح قضية حضرموت ضمن دولة اتحادية باعتبارها مشروعًا لتقرير المصير من خلال اتفاق دستوري واستفتاء قد يكون أكثر قابلية للنقاش من طرحها باعتبارها مشروع استقلال أحادي.

ما تحتاجه حضرموت في هذه الحالة هو الانتقال من الخطاب إلى الوثيقة. ينبغي أن تمتلك القوى الحضرمية تصورًا موحدًا لما يمكن تسميته “اتفاق مبادئ لإعادة تنظيم الوضع السياسي والدستوري لحضرموت”. لا ينبغي أن يكون هذا الاتفاق مجرد قائمة مطالب، وإنما مشروع تسوية متكامل يعترف بخصوصية حضرموت، ويمنحها صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها، وينظم إدارة مواردها النفطية، ويعيد ترتيب العلاقة الأمنية مع المركز، ويحدد شكل المؤسسات المحلية، والأهم من ذلك كله ينص على إنشاء مسار دستوري يؤدي في نهاية فترة انتقالية محددة إلى تمكين سكان حضرموت من تحديد وضعهم السياسي.

وهنا يمكن أن تظهر “المادة 60 الحضرمية” بوصفها قلب المشروع. ليست بالضرورة نسخة من المادة المونتينيغرية، ولكنها تؤدي الوظيفة نفسها: النص على أن سكان حضرموت، بعد مرور مدة قدرها سنتان، يملكون حق المبادرة إلى إعادة تحديد وضع الإقليم من خلال استفتاء عام. بهذه الطريقة يصبح الاستفتاء حقًا دستوريًا متفقًا عليه، وليس مطلبًا سياسيًا يمكن رفضه بمجرد الرفض.

بعد الاتفاق السياسي ينبغي أن تنتقل العملية إلى مرحلة قانونية. تنشأ لجنة دستورية يشارك فيها ممثلون عن حضرموت والحكومة اليمنية، ويمكن الاستعانة بخبراء دستوريين دوليين، بما في ذلك مؤسسات مثل لجنة البندقية إذا وافقت الأطراف. وتكون مهمتها إعداد ميثاق ينظم وضع حضرموت خلال المرحلة الانتقالية، ويحدد صلاحيات مؤسساتها، وعلاقتها بالحكومة المركزية، وترتيبات الأمن، وإدارة النفط والموارد، والتمثيل السياسي، ثم يحدد بصورة دقيقة كيف يمكن تفعيل حق تقرير الوضع السياسي.

وهنا ينبغي أن تتعلم حضرموت أيضًا من أخطاء محتملة في أي عملية مشابهة: لا يجوز تأجيل الأسئلة الصعبة إلى اليوم الذي يسبق الاستفتاء. يجب أن يكون واضحًا منذ البداية من يحق له التصويت، وكيف يُعد سجل الناخبين، وما وضع الحضارم المقيمين خارج الإقليم، وكيف تتم إدارة الحملة، وما هي الجهة المستقلة التي تشرف على الاقتراع، وما نسبة الأصوات المطلوبة، وكيف تنظر الطعون، ومن يراقب العملية. فالتجربة المونتينيغرية أظهرت أن النزاع حول قواعد الاستفتاء يمكن أن يكون في بعض الأحيان أكثر حساسية من النزاع حول الاستفتاء نفسه.

الفرصة أمام حضرموت إذن ليست في أن تقنع العالم اليوم بأنها دولة مستقلة، وإنما في أن تقنع الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية بأن سكان حضرموت يجب أن يكون لهم حق أصيل في تقرير مستقبلهم. وإذا تمكنت من الحصول على اتفاق سياسي بهذا المعنى، فإنها تكون قد قطعت الجزء الأصعب من الطريق.

فالمعادلة يمكن أن تتحول من “الاستقلال أو الوحدة” إلى مسار أكثر تدرجًا: اتفاق سياسي، ثم ميثاق دستوري، ثم فترة انتقالية، ثم حق في المبادرة، ثم قانون للاستفتاء، ثم مراقبة دولية، ثم استفتاء، ثم تنفيذ النتيجة. وهذا تقريبًا هو المنطق الذي جعل التجربة المونتينيغرية ممكنة.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه حضرموت اليوم ليس: هل تستطيع أن تعلن استقلالها؟ فهذا سؤال عسكري وسياسي ودولي شديد التعقيد. السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع أن تنتزع اتفاقًا يعترف بأن مستقبل حضرموت لا يقرر إلا بإرادة سكانها؟

إذا نجحت في ذلك، فإنها تكون قد نقلت قضيتها إلى مستوى مختلف تمامًا. لن يعود استقلال حضرموت مجرد شعار سياسي، بل سيصبح أحد الخيارات التي يمكن أن يقررها شعبها ضمن عملية دستورية متفق عليها. وهنا تكمن فرصة حضرموت الحقيقية.

المحامي صالح باحتيلي النعماني- محام مترافع أمام المحكمة العليا

 

المحامي صالح باحتيلي النعماني

كاتب رأي ومحام مترافع أمام المحكمة العليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.