حضرموت وصراع الهوية

حضرموت وصراع الهوية
حضرموت اليوم أمام مرحلة جديدة تتطلب حضوراً فاعلاً للنخب الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، من أجل قيادة مشروع يستند إلى استعادة الهوية الحضرمية، وترسيخ السيادة، وتمكين أبناء حضرموت من تقرير مستقبلهم عبر الوسائل السياسية والسلمية.
السيادة التي نقصدها هي سقف السلطة العليا المطلقة التي نسعى الى امتلاكها لإدارة شؤون حضرموت الداخلية والخارجية دون تدخل خارجي. والسيادة تتضمن بُعداً مادياً يتمثل في السيطرة على حضرموت والحدود، وبُعداً قانونياً يجسد الاستقلال والمساواة مع الاخرين وفقاً للقانون الدولي. وليست سيادة داخلية، كما لمحت لها بعض الكيانات السياسية الحضرمية بدون فهم لأبعادها. هذه المفاهيم يجب ان تكون صلب أي مشروع حضرمي حقيقي، فحق تقرير المصير هو المسار الذي تسلكه الشعوب لإثبات هويتها، وتعتبر السيادة هي الدرع القانوني والسياسي الذي يحمي هذه الهوية ويضمن استمراريتها. فلا تقرير المصير الداخلي سيفيد حضرموت ولا السيادة ولا الهوية “الداخلية”، التي لا تختلف عن سيادة وهوية أي محافظة أخرى.
ومن هنا، تبرز المسؤولية الأخلاقية والوطنية للنخب الحضرمية؛ من الأكاديميين والمثقفين ورجال الأعمال والشخصيات الاجتماعية المؤثرة والقيادات العسكرية، بوصفهم الفئة الأكثر قدرة على التنظيم والتخطيط وتوفير الإمكانات اللازمة لقيادة مرحلة التغيير وفهم ما يجب طرحة او تقديمة. فهذه النخب يجب ان تمتلك من الخبرة والمعرفة والموارد ما يؤهلها لتحمل مسؤولية الدفاع عن الحقوق السياسية، والعمل على بناء مشروع وطني حضرمي يسعى إلى تحسين حياة الناس، وحماية مصالحهم، ورسم مستقبل أكثر استقراراً للأجيال القادمة.
ولا يقتصر هذا الدور على الجانب السياسي وحده، بل يشمل أيضاً السيطرة على مؤسسات الدولة في حضرموت، بهدف بناء مؤسسات قوية، وترسيخ ثقافة القانون، وتحقيق التنمية الاقتصادية، وإدارة الموارد بما ينعكس على حياة المواطنين بصورة مباشرة. جنبا الى جنب والعمل النضالي لإخراج حضرموت من الحالة اليمنية، فنجاح أي مشروع سياسي يقاس بقدرته على العمل في اتجاهين تحسين الواقع المعيشي للناس عبر سلطة الأمر الواقع، والضغط في نفس الوقت لانتزاع حق تقرير المصير لحضرموت، وليس مجرد رفع الشعارات.
إن الحديث عن استعادة الهوية الحضرمية، يجب ان لا تفهم على انها هوية داخلية وجزء من الهويات اليمنية الداخلية، كما وردت في وثائق بعض الكيانات السياسية، ووفقا لما يتم تداوله من مشاريع تنتقص من حق حضرموت بدون فهم، وتنظر الى حضرموت كهوية داخل الدولة اليمنية وجزء منها، ان الهوية الحضرمية التي يجب ان تضعها الكيانات السياسية في وثائقها هي هوية مستقلة لشعب وقع مكرها تحت حالة الضم والالحاق ضمن الدولة الجنوبية اليمنية ثم الدولة اليمنية.
في المراحل التاريخية المفصلية، وهذه الظروف التي هيئات أفضل الفرص للخروج من وضع الاحتلال المغلف باسم محافظة، يجب الوقوف بصلابة وبدون تراخي لاقتناص الفرصة، وهنا تقاس قيمة الأمم الحية بقدرة نخبها على تحمل مسؤولية التغيير عندما تعجز الظروف عن تمكين عامة الناس من القيام بهذا الدور.
لقد أفرزت السنوات الماضية وعياً متزايداً لدى قطاعات واسعة من الحضارم بأن مستقبل حضرموت ينبغي أن يُبنى وفق رؤية تنطلق من مصالحها وهويتها المستقلة، بعيداً عن التجاذبات التي هيمنت على المشهد اليمني لعقود. وفي هذا السياق، تتقدم النخب الحضرمية بخطوات ثابتة نحو بلورة مشروع سياسي واجتماعي يهدف إلى تعزيز حضور حضرموت كفاعل رئيسي في رسم مستقبلها.
وتزداد أهمية هذا المشروع الجامع، وفرص نجاحه الكبيرة، إذا ما استُحضرت المقومات التي تمتلكها حضرموت. فهي أرض غنية بالموارد الطبيعية من النفط والمعادن، وتتمتع بموقع جغرافي استراتيجي، وتحمل إرثاً حضارياً وثقافياً عريقاً، فضلاً عن الامتداد العالمي لأبنائها الذين أسهموا عبر قرون في التجارة والعلم والدعوة والثقافة في مختلف أنحاء العالم. وهذه المقومات تمنح النخب الحضرمية فرصاً كبيرة للانتصار لهذا المشروع إذا ما أُحسن استثمارها وإدارتها، ولا عذر امامها للتنصل بالقول ان هذا المشروع اكبر من قدرات حضرموت الحالية .
واليوم، تبدو الرسالة الموجهة إلى النخب الحضرمية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: إن مسؤولية قيادة المرحلة تقع على عاتقكم، ليس من أجل تحقيق مكاسب لفئة بعينها، بل من أجل بناء مستقبل يليق بحضرموت وأبنائها، ويحفظ هويتها، ويصون كرامتها، ويوظف ثرواتها لصالح الإنسان الحضرمي أولاً.
فالشعوب التي تؤمن بقدراتها، وتتحرر من قيود التبعية، وتستثمر ثرواتها وعقول أبنائها، هي الشعوب القادرة على صناعة مستقبلها بنفسها. وحضرموت، بما تمتلكه من تاريخ وإمكانات وطاقات بشرية، تملك من المقومات ما يؤهلها لأن ترسم طريقها نحو مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً، إذا ما احسنت النية، وحملت النخب مسؤوليتها التاريخية في قيادة هذه المرحلة.
على أن لا يقوم هذا المشروع على تحميل الفئات الأكثر ضعفاً أعباءً إضافية. فهي تخوض في الواقع معركة لا تقل قسوة عن أي معركة أخرى. إن الانشغال بتوفير متطلبات الحياة الأساسية يمثل شكلاً من أشكال الصمود في مواجهة الظروف الاستثنائية، ولذلك فإن مطالبة هذه الفئات بتحمل أعباء العمل السياسي أو الثوري قد لا تكون منصفة في ظل ما تعيشه من معاناة الا اذا رغبت في ذلك.
المحامي صالح باحتيلي النعماني محام مترافع أمام المحكمة العليا



