دراما النجاة على الخشبة

دراما النجاة على الخشبة
صباح أحمد العمري
يقف الإنسان أحيانًا أمام مشاهد الحياة الأكثر ثقلًا، فلا يجد مفرًا سوى الضحك؛ لا لأن الموقف يحمل دعوة صريحة إلى المرح، وإنما لأن الوجع بلغ حدًا يتجاوز قدرة البكاء على استيعابه. من هذه الفجوة الدقيقة بين الذهول والألم، تنبت الكوميديا السوداء؛ وهي رؤية مسرحية وإنسانية لمواجهة القلق والمأساة والعبث، تقوم على فن المفارقة الذي يضع الشدة بجوار الخفة، ويستخرج السخرية من قلب الخوف، ليصنع مسافة صادمة بين ما يحدث بالفعل وما كان يُفترض منطقيًا أن يحدث.
ولأن المسرح هو الفن الأكثر التصاقًا باللحظة الحية، فإنه يشكل بيئة خصبة لهذه الكوميديا. فالخشبة عالم تتضافر فيه الكلمة والصمت والإضاءة والحركة والإيقاع، لتجريد الكارثة من هيبتها التقليدية. ويتخلق الضحك حين تُصدم التوقعات بنبرة باردة تتناول فاجعة كبرى، أو بحركة جسدية غير متوقعة في ذروة الأزمة. فالجسد المسرحي يغدو لغة قائمة بذاتها، تحوّل التناقض الإنساني إلى تجربة حية؛ يضحك فيها المتلقي، لكنه لا يخرج منها خاليًا بالضرورة.
هذا الضحك ليس دليلًا على السعادة، وقد يكون آلية دفاع ونوعًا من النجاة النفسية. نحن نضحك أمام المشهد المأساوي؛ لأن حجم الصدمة قد يتجاوز قدرتنا المباشرة على الاحتمال، فيغدو الضحك درعًا ضد الخوف، وطريقة لاستعادة شيء من السيطرة أمام عبثية الحياة.
وهنا تتقاطع الكوميديا السوداء مع المسرح العبثي، وفيه يتجاور المضحك والمؤلم، ويتحول الخوف والانتظار والعجز إلى مواقف تثير الضحك بقدر ما تستدعي القلق. فالمسرح، حين يضع الإنسان في مواجهة عبث وجوده، لا يمنحه دائمًا إجابة، لكنه يمنحه أحيانًا مساحة للضحك؛ وكأن الضحك محاولة أخيرة لاستعادة شيء من السيطرة أمام ما لا يمكن السيطرة عليه.
وفي المسرح العربي، ظهرت هذه الروح في تجارب متعددة اتخذت من السخرية وسيلة للاقتراب من القضايا الثقيلة، فامتزج الهزل بالقهر، والمفارقة بالألم، وأصبح الموقف الكوميدي أحيانًا أكثر قدرة على كشف الواقع من الخطاب المباشر. وحين يضحك المتلقي أمام مشهد يحمل في داخله قسوة أو ظلمًا، فإنه لا يضحك بالضرورة من المأساة ذاتها، وإنما من التناقض الذي يكشف عبثها، ومن المفارقات التي تصنعها الحياة حين تختل موازينها.
ومن هذه المنطقة يمارس المسرح دوره النقدي. فالكوميديا السوداء تملك قدرة فريدة على قول ما يعجز الخطاب المباشر عن التصريح به. إنها تعرّي البيروقراطية، وتنتقد تسلط السلطة، وتكشف هشاشة العلاقات الإنسانية، دون وعظ جاف. وحين تضع الخطأ في صورته الأكثر تناقضًا، تجعل الضحك فعلًا من أفعال الوعي؛ فعندها يكتشف الجمهور أن مصدر الضحك على الخشبة هو ذاته مصدر معاناته في الواقع.
غير أن هذا الفن يقف دائمًا على حافة دقيقة تفصل السخرية الواعية عن القسوة. فالكوميديا السوداء الحقيقية لا تضحك من الألم، ولا تستغل الضحية، وإنما تسخر من الظروف والأنظمة والتناقضات التي صنعت المأساة. وهذا يضع الكاتب والمخرج أمام مسؤولية فنية وأخلاقية تتجاوز مجرد إضحاك الصالة، إلى التساؤل: ما الذي سيتبقى من هذه الضحكة بعد إسدال الستار؟
كما يفرض هذا الطرح تحديًا استثنائيًا على الممثل. فالشخصية التي تعيش مأساة حقيقية، بينما تدفع الجمهور إلى الضحك، تتطلب صدقًا متناهيًا وابتعادًا تامًا عن المبالغة. الممثل هنا لا (يمثل الكوميديا)، وإنما يعيش الموقف بجدية كاملة، ومن هذا الصدق بالذات تتفجر المفارقة؛ عبر نظرة ذهول عابرة، أو نبرة صوت هادئة أمام حدث جليل. هو لا يطلب الضحك، هو فقط لا يكذب على ألمه.
وفي هذه التجربة، لا يكون الجمهور متلقيًا محايدًا، وإنما شريكًا أساسيًا. يضحك، ثم يشعر بانقباض داخلي حين يكتشف أن الشخصية التي يضحك منها تشبهه أكثر مما يتوقع. عندها تتحول الخشبة إلى مرآة، ولا يعود الضحك موجهًا إلى الآخر، وإنما إلى الضعف والعجز والتناقضات المخبأة في ذواتنا.
في النهاية، لا تبدو الكوميديا السوداء محاولة للهروب من المأساة، وإنما محاولة للنظر إليها من زاوية أخرى. نحن لا نضحك في المسرح لأننا نسينا أوجاعنا، وإنما لأننا نكتشف، في لحظة خاطفة، أن مواجهة المأساة لا تكون دائمًا بالبكاء، وأن تحويل الخوف إلى سخرية هو إعلان عن انتصار الإنسان وبقائه حيًا في مواجهة العبث.
ويبقى السؤال الذي تتركه الخشبة معلّقًا: إذا كان بوسعنا أن نضحك على ما يوجعنا، فماذا بعد الضحك؟
كاتبة رأي

