خواطر

رسالة بين الأغصان

رسالة بين الأغصان
—————-

أسند رأسه إلى إطار النافذة، وأخذ يرقب أسراب الطيور التي تعمر السدرة القريبة من شرفته؛ تهبط على الأغصان حينًا، وتنساب في الفضاء حينًا آخر. غير أن طائرًا بعينه استأثر بانتباهه، ينسلّ بين الأوراق برقةٍ آسرة، وكلما لمح طائرًا منزويًا في وحشته، أو منكسر الجناح في زاويةٍ صامتة، حطّ إلى جواره، وأمال رأسه إليه لحظات، كأنه يودع في صمته كلمةً لا يسمعها سواهما، ثم يرتفع من جديد، باحثًا عن وحيدٍ آخر يؤنس عزلته.
طال تأمله لذلك الطائر، وتساءل في سره: ما الذي يهمس به في آذان رفاقه؟ أهو وعدٌ بأن الغد أكثر اساعًا ولطفًا؟ أم أنه لا يفعل سوى أن يقاسمهم ثقل اللحظة، فيغدو الحزن أخف حين يجد من يشاركه؟
لكن ما آلمه أكثر، أن ذلك الطائر، كلما عاد إلى غصنه ليستريح، ظل وحده، بينما الأسراب تواصل تحليقها، لا يمتد إليه جناح، ولا تلتفت إليه عين.
حوّل بصره إلى كوب قهوته، بردت، سكن سطحها، غدا مرآةً قاتمة. حدّق فيها طويلًا، رأى فيها وجوهًا كثيرة مرّت في حياته مثقلةً بأوجاعها، تاركةً شيئًا منها في قلبه. تذكّر الحكايات التي احتواها بصدر رحب، والدموع التي جففها بكلمات استعارها من دفء روحه، حتى غدا ذلك الدفء نفسه يتضاءل شيئًا فشيئًا.
وأدرك، لأول مرة ربما، أنه يعرفُ كيف يصغي إلى الآخرين أكثر مما يعرف كيف يصغي إلى نفسه، يؤجل لقاءها كلما ألحّت عليه، خشية أن يوقظ ما أوهم نفسه أنه هدأ، حتى أخذ شغفه القديم بالأشياء يتوارى بصمت، كما يتوارى الضوء عن بيتٍ طال إغلاق نوافذه.
تنهد في هدوء، وأطرق قليلًا.
لم يكن نادمًا على ما منح، لكنه شعر أن القلب، مهما اتسع، لا يبقى عامرًا إن ظل يمنح ولا يجد لحظةً يستريح فيها إلى كتفٍ أخرى. ومع ذلك، كان يعلم أن الحياة لا تؤجل مسيرتها حتى يلتئم ما في الصدور، وأن بعض الأوجاع لا يخففها كثرة الكلام، بل صدق من يُصغي لها.
وفي غمرة شروده، قطع السكون رفرفةٌ خفيفة.
هبط الطائر على حافة الكوب، غمس منقاره الصغير في القهوة الساكنة، تموج سطحها في دوائر متتابعة، رفع رأسه، نفض جناحيه، عاد إلى غصنه البعيد.
ظل يتأمل الأثر الذي تركته … تلك الدوائر… ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، كأن شيئًا داخله تحرك بعد ركودٍ طويل.
أسند رأسه إلى النافذة من جديد، الطائر يواصل رحلته بين الأغصان.

بقلم /صباح أحمد العمري

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.